وقفة تاريخية

 

منبر صلاح الدين الأيوبي كما بدا بعد ترميمه من الحريق المتعمد للمسجد الأقصى عام 1969
منبر صلاح الدين بعد ترميمه من حريق متعمد للمسجد الأقصى عام 1969

 

تراثنا – غانم الشمري (* :

 

الباحث غانم الشمري
 غانم الشمري

عندما استلم نور الدين محمود زنكي “511 – 569هـ” حُكْم حلب عام 541هـ ، وكان حينئذ في الثلاثين من عمره، جمع قادته ووزراءه وجميع المسؤولين لديه، وشرح لهم هدفه ومنهجه في الحكم، وأبلغهم أن تحرير بيت المقدس من براثن الصليبيين هو هدفه الوحيد في هذه الحياة، وأخبرهم أن من يستطيع معاونته في تحقيق هدفه، والسير على منهجه يمكنه البقاء معه، ومن لا يستطيع يمكنه الانسحاب، فأعلن الجميع وقوفهم إلى جانبه، وأنهم على نفس منهجه.

 

نور الدين زنكي
نور الدين زنكي

 

  • جعل نور الدين زنكي غايته الوحيدة في الحياة تحرير المقدس من براثن الصليبيين فهيأ الدولة والكتاّب وخطباء المنابر لهذا الهدف .

  • كان الحاكم الوحيد في وقته الذي تفرَغ لقتال الصليبيين فيما كان الآخرون يهادنوهم تارة ويتعاونون معهم تارة أخرى ضد المسلمين .

  • نور الدين زنكي لم يكن رجلاً عادياً.. فقد كان شخصاً واحداً لكنه غيّر مجرى التاريخ وغيّر فكر الأمة بأكملها بسبب تفانيه وإخلاصه لله عز وجل .

 منبر الأقصى

وأمر نور الدين النّجارين والصُنّاع والمهندسين ببناء منبر كي يضعه في المسجد الأقصى عند تحريره، وقد وصف المؤرخون هذا المنبر بأن النجارين تعبوا في صُنعه، وبعد الانتهاء منه قام بوضعه في جامع حلب.

 

بقايا منبر صلاح الدين الأيوبي في المسجد الأقصى فبل الحريق
بقايا منبر صلاح الدين الأيوبي في المسجد الأقصى قبل الحريق

رؤية نور الدين 

وأخذ نور الدين الذي عُرف باسم “السلطان العادل” يهيئ الدولة بأكملها من أجل تحرير بيت المقدس، فأصبحت المدارس تُركز على هذا الهدف، والمؤرخون والكُتّاب يؤلفون الكتب في أهمية هذه المدينة والخطباء في المساجد يتحدثون عن مكانتها وفضائلها في الإسلام، فأخذت الدولة بأكملها تنظر برؤية نور الدين زنكي، وتركز على هدفه، لدرجة أنه طوال السنوات التي حكم فيها حلب لم يتراجع قيد أنملة عن حلمه، وظل يصارع الجميع من أجل تحقيقه، وكان هو الحاكم الوحيد من بين جميع الحكام الموجودين في ذلك الوقت، الذي يقاتل الصليبيين، بينما كان الآخرون يهادنوهم تارة ويتعاونون معهم تارة أخرى ضد المسلمين!

 

.وقد استطاع نور الدين الانتصار على الصليبيين في الكثير من المعارك، وأخذ العديد من المناطق التي كانت تحت أيديهم.

 

مصر العدة والعتاد 

وحينما كانت الدولة الفاطمية التي كانت تحكم مصر، في أضعف حالاتها سعى الصليبيون لاحتلالها، إلا أن همّة نور الدين، وذكائه، وإدراكه لأهمية مصر في تحقيق حلمه، وهدفه، على اعتبار أنها العُدّة والعتاد، استطاع أن يسبقهم إليها، ويأخذها عام 564هـ بقيادة أسد الدين شيركوه، فكانت ضربة قاصمة لهم.

 

وخرج من عباءة نور الدين، تلميذه صلاح الدين الأيوبي، الذي حكم مصر بعد عمه أسد الدين شيركوه، وسار على نفس هدف سيّده نور الدين الذي توفي عام 569هـ.

 

حريق المنبر

وفي عام 583هـ استطاع صلاح الدين الانتصار في معركة حطين، وتحرير بيت المقدس، ثم أمر بنقل منبر نور الدين إلى المسجد الأقصى، وقد عُرف في التاريخ باسم منبر صلاح الدين(1) ، وظل هذا المنبر موجوداً في المسجد الأقصى، إلى أن اندلعت فيه النيران حينما قام الصهاينة بإحراق المسجد الأقصى بعد حرب 1969م ثم أعيد بناء المنبر من جديد.

 

 

نور الدين زنكي لم يكن رجلاً عادياً.. فقد كان شخصاً واحداً لكنه غيّر مجرى التاريخ، وغيّر فكر الأمة بأكملها بسبب تفانيه وإخلاصه لله عز وجل.

 

(*) تعريف  : الباحث غانم شيحان الشمري ( عضو الجمعية الكويتية للتراث )

المؤلفات الصادرة وتحت الطبع :

– الزنكيون : تاريخ ودولة ( طُبع ) .

– عماد الدين زنكي فاتح الرها ( طُبع ).

– نور الدين محمود زنكي ( طُبع ) .

– الأتابك ظهير الدين طغتكين ( طُبع ).

– الأمير شمس الدين سنقر الأشقر في دولة المماليك ( تحت الطبع ) .

 

هوامش :

1-تعرض المسجد الأقصى إلى إشعال حريق متعمد في 12 أغسطس عام 1969 على يد الإرهابي اليهودي مايكل دينيس ، واحترق على أثرها منبر صلاح الدين الأيوني والذي كان يعد تحفة فنية قيمة في تصميمه.

 

اترك تعليقاً