( الحلقة12)

ابن سيرين :” إن هذا العلم دين فأنظروا عمن تأخذون دينكم ” مسلم

رحلة تدوين الحديث في القرنين ال 15 و16
رحلة تدوين الحديث في القرنين ال 15 و16 ” صورة

تراثنا – التحرير : في القرنين الخامس والسادس تواصلت جهود علماء أهل الحديث في السير على نهج من سبقهم في القرون السابقة في الذب عن السنة النبوية وصونها ، وامتاز هذين العصرين بالرحلات الطويلة في طلب الحديث من مضانه ، وفي الحلقة (12) تستكمل تراثنا استعراض كتاب ” تدوين الحديث النبوي في اربعة عشر قرناً ”من اصدارات مركز المخطوطات والتراث والوثائق ( الحلقات كاملة ) .

• اشتهر القرن الخامس والسادس بالرحلة لطلب الحديث بقصد التثبت منه وطلب علو السند والبحث في أحوال الرواة .

• ابن حجر عن  مزايا رحلة طلب الحديث : ” ثم يرحل فيحصل في الرحلة ما ليس عنده، ويكون اعتناؤه بتكثير المسموع أولى من اعتنائه بتكثير الشيوخ” .

• في الرحلات جُمِعَ الحديث، وقُعدت قواعد علوم المصطلح، وظهرت المصنفات المختلفة، واتفق النقاد من العلماء على أمور كثيرة خدمة للحديث النبوي .

• امتازت أمة الإسلام على سائر الأمم بما حباها الله على أيدي أئمة أهل الحديث الذين أبدوا من الكفاءات العلمية المدهشة ما لا يلحقهم فيها أهل أي علم من العلوم .

السنَّة في القرن الخامس الهجري 
ثم جرى مجراهم ” اي جهود علماء الحديث السابقين ” في الأجيال مَنْ بعدهم، كالخطيب البغدادي (392-463 هـ)، وابن عبد البر النمري (ت 463 هـ)، وأبو نعيم، أحمد بن عبدالله الأصفهاني (336-430 هـ)، والبيهقي، أبوبكر أحمد بن الحسين (374 – 454 هـ) . لقد اشتهر هذا القرن بالرحلة في طلب الحديث .. إن المرء ليعجب لما يحدثنا به علماء الإسلام عامة والمحدثون خاصة، من أنباء رحلاتهم المضنية التي قاموا بها من أجل العلم؛ رغم أبعاد السفر الشاسعة، ومشقاته في أيامهم إلا أنهم يجتازون العقبات ويستهينون بالصعوبات في سبيل العلم، لا يطمحون من وراء ذلك إلى جاه، أو وظيفة يشغلونها، ولا يطمعون في دنيا يصيبونها..
وإن كتاب «الرحلة في طلب الحديث» للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي برهان عظيم، وآية كبرى في إثبات ما بلغه علماؤنا العظام من علو الهمة، وسمو القصد، وشرف الغاية والوسيلة .
أهداف الرحلة لطلب العلم
وللرحلة عند المحدثين أهداف ومقاصد جليلة .. أهمها: تحصيل الحديث، التثبت من الحديث، طلب العلو في السند، البحث عن أحوال الرواة، مذاكرة العلماء في نقد الأحاديث وعللها. ..ومن فوائد الرحلة: التمكن من الجوانب العلمية، ونشر العلم الذي حصله العالم واتساع الثقافة العامة، وتنمية الفضائل والكمالات في النفس، وكسب صداقات جديدة خالصة.

رحلة الامام البخاري في طلب العلم
رحلة الامام البخاري في طلب العلم ” صورة

آداب الرحلة
1- أن يقدم السماع من علماء بلده على الرحلة للآفاق، فهو أيسر وأقل كلفة، وأمكن له في التثبت مما يسمع وتدوينه وضبطه ومراجعة ما يشكل منه، ولا يستخفن طالب العلم بأساتذة بلده، شأن بعض الغافلين يرى أحدهم الدرهم في بيت جاره خيراً من الدينار في بيته. فإذا فرغ من التقصي عن علماء بلده عزم على الرحلة وسلك سبيلها.
2- حُسنُ اختيار أماكن الرحلة؛ بأن تكون عامرة بالعلماء والفضلاء ممن يفاد منهم، وأن يهتم بكثرة المادة العلمية المتلقاة، وكثرة المسموع مما ليس عنده من الأسانيد والمتون، ويقدم ذلك على الاستكثار من الأساتذة.قال ابن حجر في شرح النخبة: ” ثم يرحل فيحصل في الرحلة ما ليس عنده، ويكون اعتناؤه بتكثير المسموع أولى من اعتنائه بتكثير الشيوخ” .
3- أن يعتني بالمذاكرة مع المحققين لتمكين التعمق في العلم، وذلك بأن يُحضّر ما توصل إليه من آراء أو علاج لمشكلات العلم.
4- مراعاة الآداب العامة في السفر، من المداومة على الطاعات والعبادات، وذكر الله تعالى، والسخاء بالمال، وتحمل متاعب الطريق، والصبر على الرفاق.
وفي الرحلات جُمِعَ الحديث، وقُعدت قواعد علوم المصطلح، وظهرت المصنفات المختلفة، واتفق النقاد من العلماء على أمور كثيرة خدمة لحديث رسول الله وحصناً له من زوابع أهل الريبة والشعوبيين، وأهل الوضع والكذب.فهذا الخطيب البغدادي يُنقلُ عنه من دقته وعلمه في حادثة جرت له في سنة ٤٤٧ هـ:
حيث أظهر بعض اليهود كتاباً بإسقاط النبي الجزية على الخيابرة (يعني: يهود خيبر) وفيه شهادة بعض الصحابة، فعرضها الوزير، أبو القاسم علي (وزير الخليفة القائم) على أبي بكر الخطيب، فقال: هذا مزوّر! قيل: من أين قلت هذا؟ قال: «فيه شهادة معاوية، وهو أسلم عام الفتح بعد خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ، ومات قبل خيبر بسنتين». فاستحسن الوزير ذلك منه، ولم يقبل منهم ما في هذا الكتاب.

تدوين الحديث النبوي
تدوين الحديث النبوي

السنَّة في القرن السادس الهجري
وهكذا جرى مجرى ممن تقدم من علماء الأمة الأولين علماء الأمة المتأخرون في هذا القرن، فقد شمروا عن ساعد الجد في حفظ السنة، وصونها، وتدوينها، وقطع الرحلات الطويلة الشاقة في سبيلها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وتدوين أسماء رواتها وبيان أحوالهم، من عدالة وضبط وإتقان، أو ضعف وكذب وتدليس، وغير ذلك من أحوالهم من أنواع الجرح والتعديل مما يتعلق بالأسانيد والمتون، من دون مجاملة لأحد، لا تأخذهم في الله لومة لائم.
وتلك ميزة خاصة لأمة محمد ، امتازت بها على سائر الأمم، حققها الله على أيدي أئمة أهل الحديث الذين أبدوا من الكفاءات العلمية المدهشة ما لا يلحقهم ولا يدانيهم فيها أهل أي علم من العلوم…وبرهنت أعمالهم وجهودهم، وما خلفوه من تراث عظيم على عبقريات عظيمة، وقرائح متوقدة، وعقول خصبة قادرة على تشقيق علوم الحديث، وتنويعها إلى حد تحار فيه الألباب.

كتاب تدوين علم الحديث
كتاب تدوين علم الحديث

ابن الجوزي الموسوعي
وقد اشتهر في هذا القرن العلامة عبدالرحمن بن الجوزي البغدادي الحنبلي (٥٠٨-٥٩٧ هـ) الذي مهر في اللغة والأدب والتاريخ والحديث والفقه والتفسير، وتفرد بفن الوعظ الذي لم يسبقه إليه أحد، ولم يلحق له شأو فيه، وقد وعظ وهو ابن عشرين سنة أو دونها، وحضر مجالس وعظه الأمراء والوزراء والعلماء والفقراء، وسمعه الخلفاء ونساؤهم .. وحضور مجلس وعظه كان عددهم بين عشرة آلاف ومئة ألف. وغبطه على هذه المنزلة مخالفو مذهبه.
وكان ابن الجوزي عقلاً موسوعياً ترامى على حقول المعرفة العربية بجدارة، إذ كان من المكثرين في التآليف المختلفة العلوم والفنون، على رأسها، الحديث ومصطلحه وعلومه، فله كتاب «الموضوعات»، و«جامع المسانيد»، و«ناسخ الحديث ومنسوخه»، وألف في مناقب وفضائل الصحابة، والأئمة والعلماء الذين سبقوه مثل «مناقب أبي بكر – رضي الله عنه»، و«مناقب عمر بن الخطاب – رضي الله عنه» و«فضائل أحمد بن حنبل»، و«فضائل الحسن»، و«كتاب الضعفاء والمتروكين» و«الفوائد عن الشيوخ»، و«المسلسلات»، و«العلل المتناهية في الأحاديث الواهية» .. وغيرها كثير.

فهذه نبذة مختصرة لهذا العالم الجليل، ولا يعني ذلك أنه الوحيد في عصره من الذين اهتموا بالسنة والتدوين فيها، وإنما هناك في الأمصار الإسلامية الكثير، ونحن هنا بصدد تقديم نماذج من العلماء الذين تواجدوا في كل عصر ومصر، فحافظوا على حديث رسول الله من الأعداء، حتى وصلنا سليماً معافى، وهذا فضل عظيم يعطيه الله تعالى من شاء من عباده.

يتبع لاحقاً

حلقات سابقة

ايميل خدمة تلقي الاخبار المجاني هنا

اترك تعليقاً