انتقاءات من كتاب ( في بلاد اللؤلؤ ) الحلقة الثانية

سياحة بين سطور من ماضي الكويت بعين شامية

جلب الماء من السفن من شط العرب قديما في الكويت
جلب الماء من السفن من شط العرب قديما في الكويت

تراثنا – التحرير :
يعود بنا الكاتب السوري والمحامي فيصل العظمة” يرحمه الله ” إلى انطباعاته عن كويت عام 1942 م ، التي دونها في كتابه ( في بلاد اللؤلؤ ) ، وكان قد قِدم إليها تطوعاً براتب زهيد للعمل مدرساً مع زميلين آخرين لعام واحد في بلاد غربة في رأس الخليج، لا يجمعها بها إلإ الإسلام وعروبة اللسان والهوى .

الإستاذ فيصل العظمة - يرحمه الله
 فيصل العظمة – يرحمه الله

العظمة عن الماء في الكويت 

  • الكويت بلد شحيحة الماء ، فإذا هطلت الأمطار تخضر الصحارى ببساط من الزبرجد ويتلطف الجو ، ويخرج البدو والحضر إلى الخيام .

  • إذا كانت الأمطار قوية تهدمت البيوت المبني غالبها من الطين كما حدث في سنة هدامة .

  • لا يجري في الكويت أي نهر أو جدوال ، ولا على ظهر الأرض عيون ولا ينابيع ولا يوجد سوى قلبان .

  • ترأس الشيخ عبدالله السالم شركة وطنية لجلب المياه من شط العرب صاحب فكرتها يوسف الغانم .

  • اقترح جر مياه الشط إلى الكويت بأنابيب فإذا تعذر جلب الماء لا سمح الله ليس أمامهم إلا الهجرة إلى العراق أو نجد !!

وفي محاولة منه لنقل انطباعاته عن الكويت المجهولة له ولشعبه في سوريا ، حرص على توثيق كل واردة وشاردة في ارض بكر غريبة عنه ، فنعيش معه في السطور التالية ما دونه بشأن قصة المياه في الكويت .

نقل الماء في الكويت على ظهور الحمير في الماضي
نقل الماء في الكويت على ظهور الحمير في الماضي

المياه
يتحدث العظمة بدقة عن مصادر المياه في الكويت فيقول : الأمطار في الكويت قليلة ، تهطل في فصلي الشتاء والربيع ، وتأتي من المحيط الهندي ومعدلها 100 -150 ملمتر ، وإذا جادت السماء بالغيث ارتوت الأرض واخضوضرت ، واضحت الصحراء بساطاً من زبرجد ، وتشكلت الغدران التي تشبه البحيرات ، وامتلأت الآبار والصهاريج ، ونصبت الخيام في كل مكان ، وخرج الناس من بدو وحضر إلى البر ينعمون بالجو اللطيف ، والأرض المخصبة .

سنة هدامة
وإذا كانت الأمطار قوية ، قد تلحق بالبيوت بعض الأضرار ، فتهدم بعضها لأن البيوت هناك مبنية من الطين على الغالب ، كما حدث عام 1289 هجرية ، فقد تهدمت مئات البيوت من الدور بسبب شدة الأمطار ، ولقد سميت ( الهدامة ) .

والأمطار الهاطلة إما أن تذهب إلى البحر ، أو تغور في الرمل ، ونادراً ما تصادف طبقة غضارية أو صخرية تستقر فوقها ، لتستنبط بحفر الآبار .

لا نهر ولا جداول
ولا يجري في الكويت أي نهر أو جدول ساقية ، ولا يوجد على ظهر الأرض عيون ولا ينابيع ولا يوجد في الكويت من ماء سوى ” قلبان “(1) قليلة عميقة شحيحة جداً ، وقسم كبير منها ضارب الملوحة .

ماء شحيح
أما الأمطار الحلوة التي يمكن الشرب منها فقليلة ، وماؤها لا يكفي عُشر السكان ، لذلك يجلب الكويتيون ماء الشرب بالسفن الشراعية من شط العرب على بُعد 130 كيلاً تقريباً .

وتتولى ذلك شركة وطنية رئيسها الشيخ عبدالله السالم ، وصاحب فكرتها يوسف الغانم ” يرحمهما الله ” ، ورأسمالها نحو ثلاثمئة ألف روبية (2) تمتلك أربعين ( بوماً ) – سفينة شراعية كبيرة – وهذه المسافة تقطعها السفن بست ساعات إلى يومين ، حسب ملاءمة الريح .

توانكي
وفي كل يوم تذهب سفن وتعود أخرى لجلب الماء ، وفي كل سفينة عدة مكعبات من الخشب تسمى ( تانكي ) ، مقلفط ما بين ألواحها تملأ من ماء شط العرب الزلال ، وتفرغ في الكويت ” بواسطة “ (3) مضخات تتصل بأنابيب تتصل بخزانات خاصة ” برك ” على السيف ” الشاطيْ” .

* إقرأ ..
الحلقات والدراسات والبحوث والتقارير التاريخية المنشورة في تراثنا

الحِب أو البرمة الفخارية وهي شائعة في الكويت والخليج والدول العربية
الحِب أو البرمة الفخارية وهي شائعة في الكويت والخليج والدول العربية

خمس برك أسمنت

الشيخ عبدالله السالم
الشيخ عبدالله السالم

وفي الكويت خمس برك من الإسمنت ، نظيفة ولها صنابير ، ومراقبة صحياً تتسع لنحو أربعة ملايين لترة ، ويباع الماء باسعار رخيصة ، فثمن كل ” قوطي ” أي صفيحة ” آنة ” أي نحو فرنك سوري ، ويتولى نقل الماء في البلدة سقاة” .. ” يسمى الواحد منهم ” كندري ” ، أو “راعي الماي ” ، وهو ينقل الماء إما ب ” جرب ” أي قرب على ظهر الحمار ، أو بصفائح يحملها على خشبة ” كندر ” على كتفه ، وأحياناً تنقل الخادمات الماء بصفائح على رؤوسهن ، فترى في السكك “الطرق” عشرات من السقاة يهتزون وهم سائرون منحنين إلى الأمام وباتجاه مائل .

الناقوط والقلة
وهذا الماء حلو ولا بأس به ، وخفيف ونظيف قليلاً ، والكويتيون يصفون الماء في ( الحب) وهو وعاء من الفخار البغدادي المعروف ، مؤلف من قسمين ،و احد يُسمى ” ناقوط ” ويشبه الزير عندنا قديما في دمشق ، ويُضع على كرسي من الخشب ، فيرشح منه الماء على وعاء صغير اسمه ” قلة ” وبذلك تشرب ماء صافياً .

مخاطر وصعوبات
من هذا ترى أيها الأخ الكريم كم يكون الأمر صعباً وخطراً إذا تعذر جلب الماء من الشط لا سمح الله بغارة أو عدون أو ما شابه ذلك .

لذلك اقترحت على القوم هناك جر مياه الشط إلى الكويت بأنابيب على طراز الفيجة بدمشق ، لأن الماء هو قوام الحياة ، وإذا تعذر جلب الماء لا سمح الله ليس أمام الكويتيين إلا هجرة الأكثرية الساحقة إلى العراق وإما إلى نجد .

فكروا جيداً أيها الأخوان الكويتيون بهذا المشروع أو بأي مشروع أخر يؤمن لكم الماء ، ومهما كانت تكاليفه باهظة وغالية ، لأن الماء أغلى وأثمن .

وقد كان الشيخ مبارك ” يرحمه الله ”  ابتاع آلة لتقطير ماء البحر ، ولكن لم تكد تعطي أول منتوجها حتي نشبت الحرب العالمية الماضية ، فقضى على المشروع ولأسباب سياسية ، ونقلت الألة الكبرى إلى جهة أخرى من الجزيرة العربية في عدن على الأرجح .

وللحديث بقية ..

هذا الكتاب

كتاب في بلاد اللؤلؤ لفيصل العظمة

يقع كتاب( في بلاد اللؤلؤ ) في 213 صفحة من الحجم الوسط ، وحفل بالكثير من المواقف والأحداث والشخصيات التي دونها المؤلف، لتكون وثيقة عن حقبة زمنية مضت ، والنسخ تتوفر لدى مركز المخطوطات والتراث والوثائق للسادة الباحثين والمهتمين بالتراث والتاريخ الكويتي

هامش :
1- جمع مفردة قليب وهو البئر ويلفظ جليب .
2- الروبية عملة هندية تعادل سبعين قرشا في سورية .
3- الصواب : ( بواساطة ) .

صور : ( ذاكرة قطر ) ( عائلة المرزوق ) ( شبكة الانترنت وارشيف تراثنا ) 

 طالع الحلقة السابقة ( الأولى ) : فنجان قهوة يثير الذعر بمجلس أمير الكويت !

تواصل معنا

اترك تعليقاً