من حكايات أدب الرحلات

تراثنا – د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :
على مدى عدة حلقات نشرت تراثنا فهرس ( كتب الرحّالة محمد بن ناصر العبودي في مركز المخطوطات والتراث بالكويت) .
وكانت رحلات العبودي- يرحمه الله – غنية بالاحداث وحافلة بالمعلومات عن المواقع والناس وعاداتهم وغيرها، وتمتع العبودي بميزة بالدقة والتثبت في المعلومة ، والتوثق من صحتها ، ولا يدونها في كتابه إلا بعد الإحاطة بكل جوانبها ، وتبين ذلك في حرصه على لقاء شخصيات الحدث ، بالترحال إليها، ونقل المعلومة مشافهة من الثقات، والتأكد منها بمسائلة آخرين،معززة بالأسماء والأماكن وسواها ، وهي تكاد تذكرنا باشتراطات أهل الحديث في قبول نقل الرواية .

ونقف في هذا التقرير ، على دقة نهج العلامة العبودي ونقله وتوثيقه من خلال حادثة باشرها بنفسه .
نقل الإعلامي والي تيوبير علي التميمي عن المؤرخ الرحًالة والعلامة السعودي محمد ناصر العبودي- يرحمه الله – في كتابه معجم ” بلاد القصيم “: ان الأخ عبدالله العميم أبلغه عن العثور على جثة محفوظة تماماً في قبر عُثر عليه قبل نحو 70 سنة في في منطقة الجفر شمال مدينة بريدة !

وينقل التميمي عن العبودي من كتابه المذكور أن الرجل الذي وُجد في القبر كان محفوظ تماماً على حالتهاً، لم ينقص شيء من جسمه ووجهه ولحمه وجسمه وشحمه .. لكن الكفن تفتت .
ونوه إلى أن الرحالة العبودي بدأ بالاستقصاء عن هذا الموضوع ، فذهب لمعاينة المكان بنفسه ، ووصل إلى القبر في منطقة الجفر شمال بريدة ، وهي منطقة رملية ، كان الناس يأخذون منها الرمل لاستخدامه في البناء وفي أغراض كثيرة .
ويقول العبودي انه جاء إلى المكان حتى يعرف ما حصل ، فعرف أن الناس أثناء أخذهم الرمل ، وجدوا هذا القبر المفتوح بالمصادفة ، فأطّلعت عليه – العبودي – فإذا القبر لم توضع لبنات على اللحد ، بل وُجدت صخرة ، بدل اللبنات ، مما يدل على قدم ذلك القبر .

فسألت رجل من الموجودين الذين يأخذون الرمل من المنطقة عن معرفته بذلك القبر ، فرد بالإيجاب ، مؤكدا أنه كان متواجداً عند فتح هذا القبر .
فعدت لسؤاله : من تعرف من المتواجدين عند القبر آنذاك ؟ فرد : أعرف فلان الشايعي ، وهو أحد الناس الذين يعملون في هيئة المعروف والنهي عن المنكر ، فقلت له : جزاك الله خيراً.

ويمضي العبودي قائلاً : وعند تفقدي للقبر ، وجدت فيه الكافور والسدر ، وكانت رائحة القبر جميلة ، فذهبت إلى الشاب المدعو ” الشايعي ” وسألته : هل أنت ممن أخرجوا الرجل من قبره ؟ فأجاب : نعم ..كنا مجموعة واخرجنا هذا الرجل من قبره على هيئته وحاله كما كان ، بوجهه وجسمه بشحمه ولحمه ، وكان معنا الشيخ علي الحميّن ، الذي كان يشغل منصب مساعد مدير تعليم منطقة القصيم في ذلك الزمان .
ويستأنف العبودي تقصيه للحادثة ، ويقول : فذهبت إلى الأخ على الحصيّن ، وكنت أعرفه معرفة كبيرة ، فسلمت عليه ، وسألته عن حكاية القبر في منطقة الجفر ، فأخبرني أن منطقة القبر هي منطقة أباءنا وأجدادنا ، وان الجماعة قرروا بعد العثور على القبر ، تم تشكيل لجنة أنا أحد أعضاءها بحكم أن هذه المنطقة تخصنا وأجدادنا ،وعندنا خبر أنهم دفنوا في هذا المكان .. وكنت مشاركا في لجنة أشرفت على اخراج هذا الرجل من قبره ، وإعادة تكفينه ودفنه في مقبرة بريدة .
مواصفات الرجل
ولمزيد من التحقق والاستقصاء طلب العبودي من الحصيّن أن يصف له الرجل، فوصفه موضحاً : هو ربعة من القوم ، أي متوسط العرص والطول ، ووجه مربوع ، وشعره كثيف إلى كتفه ، ومخضوب بالحناء ، وهو قمحي اللون ، ومكتحل ، أي عيناه مكتحلة بالأثمد على السنة النبوية ، وقد صبغ شعره بالحناء .
ينقل العبادي عن الحميّن قوله : حاولت أن اقطع شعرة من رأسه ، فشديتها فلم تخرج معي من شدة ألتصاقها بشعره.. والرجل كأنه نائم ! فأعدنا غسله وتكفينه وتم دفنه في مقبرة بريدة .
ليس من الشهداء ولكن !
يعلق الاعلامي اليوتبيوبر علي التميمي على أحداث القصة مستدركاً، بأنه من الواضح ان الرجل ليس من الشهداء لسببين : أولهما عدم وجود جرح ظاهر عليه ، و الثاني أنه الرجل مكفن ، أي توفى وفاة ربه (وفاة أعتيادية) .
غيرأنه يلمح بأنه – والله أعلم – أنه رجل من الصالحين ، وذلك من خلال صفاته وسماته : اختضابه بالحناء واكتحاله بالأثمد، وايضا كرامة الله حفظ الله له في القبر هذه السنوات الطويلة.
ويقول العلامة العبودي : لا شك عندي ولا ريب أنه ليس مدفون من قريب ، بل من زمن بعيد حتى قبل إنشاء مدينة بريدة ..
يذكر أن مدينة بريدة أنشأت في أواخر سنة 900 للهجرة ، أي نحو 990 للهجرة ، والقبر قديم قبل ذلك التاريخ .
وهي قصة ، كما يقول التميمي ملفتة ، وتدعو إلى التأمل والتفكر في أحداثها العجيبة التي ينقلها كل هؤلاء الثقات ، وعلى رأسهم شيخنا الرحالة محمد العبودي – رحمه الله وكل من ورد أسمه في هذه القصة العجيبة .

تواصل مع تراثنا
