توعية إسلامية

تراثنا – التحرير :
في رسالة قيمة كتبها العلامة أبو بكر جابر الجزائري – يرحمه الله – رد من خلالها على تساؤلات وردته من المهاجرين المسلمين إلى بلاد الغرب ، عن جواز هجرتهم إلى تلك البلاد واكتساب جنسيتها من عدمها .

وفصَّل العلامة الجزائري رده في رسالة مطبوعة بعنوان ( إلام الأنام بحكم الهجرة في الإسلام ) طبعت عام (1412 – 1991م ، تنشرها تراثنا على موقعها في حلقات لتعميم الفائدة ، وفي هذه الحلقة ( الأولى) أفاد :
الهجرة : الإسم من هجر الشىء إذا تركه ، فهو هاجر له أي تارك .
وهاجر يهاجر مهاجرة ، من بلد إلى بلد آخر ، تاركاً لأول ، حالاُ بالثاني ، فهو مجاهر .
والهجرة في عرف الشرع : الانتقال من بلد الحرب إلى أو الكفر ، إلى بلد السلم أو الإسلام .
فضل الهجرة

الهجرة في سبيل الله تعالى من أفضل الأعمال ، إذ هي كالجهاد في سبيل الله ، قال تعالى في سورة الحج : ” وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) – الحج .
فقد وعدهم تعالى بالرزق الحسن ، إذ هم بمنزلة الشهداء ، أرواحهم في حواصل طير خضر ، ترعى في الجنة ، ويوم القيامة يدخلهم مدخلاً يرضونه ، وهو الجنة دار السلام .
قال رسول الله صلى الله وسلم : من فر بدينة من أرض إلى أرض ، وإن كان كان شراً استوجب له الجنة ،وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام “.
وروى النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمل يستقيم عليه المرء ويعمله ، فقال له :” وعليك بالهجرة فإنه لا مثل لها “.
أفضل الهجرة
إن أفضل هجرة كانت من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة ، وأهلها أفضل المهاجرين بعد إبراهيم عليه السلام ، وذلك لثناء الله تعالى على أهلها في كتابه في مثل قوله ” لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ” 8 – الحشر .
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار ” ، فالشرف هجرته صلى الله عليه وسلم لم يرض بالتخلي عنها ليكون من الأنصار ، قال هذا وهو يطايب الأنصار عن قسمة غنائم غزوة حنين في السنة الثامنة من الهجرة .
أنواع الهجرة

الهجرة أنواع وهي كالتالي :
1- هجرة فرار بالدين .
2- هجرة نصرة وتأييد .
3- هجرة طلب علم .
4- هجرة طلب رزق .
5- هجرة خوف من الفتن .
وهذا بيان هذه الهجر وتفاصيلها .
أولاً : هجرة الفرار بالدين
إن الدين وهو عبادة الله تعالى بما شرع من عقائد وعبادات وأحكام وآداب وأخلاق مع حب الله غاية الحب وتعظيمه غاية التعظيم والرغبة إليه والرهبة منه ، هذا الدين هو علة وجود الأنسان في هذه الحياة وسر الوجود كله أرضه وسمائه .
فمن هنا إذا منع الأنسان من عبادة الله تعالي في أي زمان أو مكان ، وجب عليه أن يهاجر إلى مكان يعبد فيه الله تعالى ، تلك العبادة التي يتوقف عليها سعادته وكماله في الدنيا والأخرة ، فإن رضي بالبقاء في الدار التي لم يتمكن فيها من عبادة الله ، ومات وهو ظالم لنفسه بترك العبادة ، فخبث نفسه ، ولم تطهر ، كان العقاب شديداً ، إذ قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) النساء
فالآية الكريمة تحمل الوعيد الشديد لتاركي الهجرة وهم قادرون عليها ، وإنما آثروا البقاء في ديارهم وأموالهم بين آبائهم وإخوانهم على الهجرة التي تمكنهم من عبادة الله ، تلك العبادة التي خلقوا لها ، والتي لا كمال ولا سعادة للإنسان إلا عليها وبها ، وهذه الهجرة فرضها الله تعالى على المؤمنين بمكة ، فهاجر بعض المؤمنين إلى أرض الحبشة ، إذ كان فيها ملك صالح هو أصحم النجاشي الذي أمن المسلمين واكرمهم .
ثم كانت الهجرة إلى المدينة النبوية ، بعد بيعة العقبة الأولى والثانية ، إذا تضمنت البيعتان تأمين المهاجرين ونصرتهم ، ولما أذن الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى المدينة فهاجر ، أصبحت الهجرة المدينة ذات ثلاثة أغراض :
الأول : الفرار بالدين .
الثاني : طلب العلم .
الثالث : طلب العلم .
إذ التشريع يتوالى ، فإن لم يكن المؤمن بالمدينة ، فاته العلم الذي ينزل من عند الله ويبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفاته العمل به أيضا ، لذا كان الهجرة إلى المدينة من أوجب الواجبات ، وكان المتخلف عنها من غير المستضعفين متوعدا بقوله تعالى ” فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ” .
ولما فتح الله على رسوله مكة ، وأصبحت دار إسلام ، أعلن رسول الله صلى الله وسلم عن انتهاء الهجرة من مكة إلى المدينة بقوله ” لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية ” ، وفاز المهاجرون الأولون بأفضل هجرة وأعظمها أجراً ، وليهنأهم ذلك ـ وهو فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .
يتبع لاحقا

