من حكايات أدب الرحلات

تراثنا – د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :
على حلقات عدة نشرت تراثنا فهرس ( كتب الرحّالة السعودي محمد بن ناصر العبّودي في مركز المخطوطات والتراث بالكويت) وللكاتب نحو 320 مؤلفاً ، منهم نحو 140 إلى 180 كتاباً أختصت في أدب الرحالات. .
وكانت رحلات العبّودي (1345- 1443هـ / 1926- 2022 م) – يرحمه الله – غنية بالاحداث وحافلة بالمعلومات عن الأماكن وعادات الناس وطبائعهم وثقافاتهم وأديانهم وغرائبهم وعجائبهم .. وغيرها.
تمتع العبّودي بميزة الدقة والتثبت والتوثّق في نقل المعلومة وصحتها ،فلا يدوّنها في كتبه إلا بعد الإحاطة بكل جوانب الحدث ، وتمثل ذلك في حرصه على شد رحاله إلى شخصيات الحدث أياً كان موطنهم، قريباً أو بعيداً، ونقل المعلومة مشافهة من ثقاتهم، ولا يكتفي بذلك ، بل يعضد المعلومة بأقوال آخرين لتأكيدها ،ولعله يعود إلى بيئة تأثره باشتراطات نهج أهل الحديث المتشددة في قبول نقل الرواية الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام عند أهل السنة والجماعة .

ونقف في هذا التقرير ، على دقة نهج العلامة العبودي ونقله وتوثيقه لحدث باشره بنفسه ” بتصرف “.
نقل الراوي واليوتيوبير علي التميمي عن المؤرخ الرحًالة العلامة السعودي محمد ناصر العبودي- يرحمه الله – في كتابه معجم ” بلاد القصيم ” : أن الأخ عبدالله العميم أبلغه عن العثور على جثة محفوظة تماماً في قبر عُثر عليه قبل نحو 70 سنة في منطقة الجفر شمال مدينة بريدة !

وينقل التميمي عن العبودي من كتابه المذكور أن الرجل الذي وُجد في القبر كان محفوظ تماماً على حالته عند دفنه ، لم ينقص شيء من جسمه ولاوجهه ولحمه وشحمه ، ملمحاً إلى تفتت الكفن وحده فقط !
ونوه إلى أن الرحّالة العبودي بدأ بالاستقصاء عن هذا الموضوع ، فذهب لمعاينة المكان بنفسه ، ووصل إلى القبر في منطقة الجفر شمال بريدة ، وهي منطقة رملية ، كان الناس يأخذون منها الرمل لاستخدامه في البناء وفي أغراض كثيرة عدة .
ويقول العبودي انه جاء إلى المكان حتى يحيط علماً بما حصل ، فعرف أن الناس أثناء أخذهم الرمل ، وجدوا هذا القبر المفتوح بالمصادفة ، فأطّلعت عليه – العبودي – فإذا القبر لم تُوضع لبناته على اللحد ، بل وُجدت عليها صخرة ، بدل اللبنات ، مما يدل على قِدم ذلك القبر .

فسألت رجل من الموجودين الذين يأخذون الرمل من المنطقة عن معرفته بذلك القبر ، فرد بالإيجاب ، مؤكداً أنه كان متواجداً عند فتح هذا القبر .
فعدت لسؤاله : من تعرف ممن تواجدوا عند القبر آنذاك ؟ فرد : أعرف فلان الشايعي ، وهو أحد الناس الذين يعملون في هيئة المعروف والنهي عن المنكر ، فقلت له : جزاك الله خيراً.
رائحة القبر جميلة

ويمضي العبودي قائلاً : وعند تفقدي القبر ، وجدت فيه الكافور والسدر ، وكانت تنطلق من القبر عبق رائحة جميلة ، فذهبت إلى الشاب المدعو ” الشايعي ” وسألته : هل أنت ممن أخرجوا الرجل من قبره ؟ فأجاب : نعم ..كنا مجموعة واخرجنا هذا الرجل من قبره على هيئته وحاله كما كان ، بوجهه وجسمه بشحمه ولحمه ، وكان معنا الشيخ علي الحميّن ، الذي كان يشغل منصب مساعد مدير تعليم منطقة القصيم في ذلك الزمان .
ويستأنف العبودي تقصيه للحادثة ، ويقول : فذهبت إلى الأخ على الحصيّن ، وكنت أعرفه معرفة كبيرة ، فسلمت عليه ، وسألته عن حكاية القبر في منطقة الجفر ، فأخبرني أن منطقة القبر هي منطقة أباءنا وأجدادنا ، وان الجماعة قرروا بعد العثور على القبر ، تشكيل لجنة أنا أحد أعضاءها بحكم أن هذه المنطقة تخصنا وأجدادنا ،وعندنا خبر أنهم دفنوا في هذا المكان .. وكنت مشاركاً في اللجنة التي أشرفت على اخراج هذا الرجل من قبره ، وإعادة تكفينه ودفنه في مقبرة بريدة .
مواصفات الرجل
ولمزيد من التحقق والاستقصاء طلب العبودي من الحصيّن أن يصف له الرجل، فوصفه بالآتي : هو ربعة من القوم ، أي متوسط العرض والطول ، ووجه مربوع ، وشعره كثيف إلى كتفه مخضوب بالحناء ، وهو قمحي اللون ، ومكتحل العينين بالأثمد ،على السنة النبوية ، وقد صبغ شعره بالحناء .
ينقل العبادي عن الحميّن قوله : حاولت أن اقطع شعرة من رأسه ، فشديتها فلم تخرج معي من شدة ألتصاقها بشعره.. والرجل بدا كأنه نائم ! فأعدنا غسله وتكفينه وتم دفنه في مقبرة بريدة .
ليس من الشهداء ولكن !
يعلق الراوي اليوتيوبر علي التميمي على أحداث القصة مستدركاً : من الواضح ان الرجل ليس من الشهداء لسببين : أولهما : عدم وجود جرح ظاهر عليه ، والثاني : أن الرجل كان مُكفَن ، أي توفى وفاة ربه (وفاة أعتيادية) .
غيرأنه يلمح – والله أعلم – أنه رجل من الصالحين ، وذلك من خلال صفاته وسماته التي أتسم بها ، ومنها : اختضابه بالحناء واكتحاله بالأثمد، وايضا كرامة الله له بحفظ بدنه على هيئته عند دفنه في القبر طوال تلك السنوات الطويلة.
ويقول العلامة العبودي : لا شك عندي ولا ريب أنه ليس مدفون من قريب ، بل من زمن بعيد حتى قبل إنشاء مدينة بريدة ..
يُذكر أن مدينة بريدة أنشأت في أواخر سنة 900 للهجرة ، أي نحو 990 للهجرة ، والقبر قديم قبل ذلك التاريخ .
دعوة للتأمل والتفكر
وهي قصة ، كما يقول التميمي ملفتة ، وتدعو إلى التأمل والتفْكر في أحداثها العجيبة – وخاصة وأنها حادثة قريبة العهد وذوي الميت موجودين بيننا – ومن ينقلها هم الثقات من الرواة العدول والشخصيات المعروفة بالأسماء، وعلى رأسهم شيخنا الرحالة محمد العبودي – رحمه الله وكل من ورد أسمه في هذه القصة العجيبة .
تواصل مع تراثنا

