• Post published:

 

رأي

مأساة الاقليات الإسلامية

 

مأساة طرد المسلمين الموريسكيين من اسبانيا
مأساة طرد المسلمين الموريسكيين من اسبانيا

 

تراثنا – كتب محمد بن إبراهيم الشيباني * :

 

د . محمد بن إبراهيم الشيباني رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا في الكويت
د . محمد الشيباني

قضية قديمة تتجدد في كل حين ، تارة على أهل الإسلام ، وتارة أخرى على غيرهم ، فالإيام دول على هذا ، وعلى ذاك ، ليس لها صاحب أو دولة معينة يتميز كل واحدة من غيرها .

 

والأقليات منذ القدم كذلك ، لا يتساوون أو يتشابهون في العادات والأديان أو الحرف والصناعات والفنون ومختلف العلوم والوفرة المادة ، فهناك أقليات هامشية ، ليس لها نصيب مما ذكرنا ، وعند نفيها لا تحدث فراقاً أو إقلاقاً للدولة النامية .

 

 

الأندلس في ظل الدولة الخلافة الإسلامية في اسبانيا
جضارة الأندلس في ظل الدولة الخلافة الإسلامية في اسبانيا

ولم يحدث فيما أعلم أن بقى شعب أو أقلية في التاريخ كانت تملك كل تلك المؤهلات ، أي الغنى والعلم والذكاء والصناعة مثل الشعب المسلم المسمى بالموريسك .فما أن أُجلي حتى تأثرت أسبانية بذلك ، حدثت فجوة عظيمة في كل شيء في حياة الإسبان .

 

تنصير المسلمين الموريسكيين

 

وقد تكلم المؤرخون والكتّاب من الغربيين ردحاً من الزمان عن هذه المصيبة ، ففي عهد فيليب الثالث اتخذت إسبانية النصرانية خطوتها الحاسمة إزاء الموريسكيين بقية الأمة الأندلسية  المغلوبة ، وكان التنصر قد عم الموريسكيين يومئذ ، وغدا ابناء قريش ومُضر بحكم القوة والإرهاق نصارى وقشتاليين ، بشهدون القداس في الكنائس ، ويتكلمون ويكتبون القشتالية ، غير أنهم لبثوا مع ذلك في معزل يتعلقون سراً بلغتهم القديمة وتراثهم الروحي القديم .

 

 

اختراع لغة الألخميار السرية  

 

وقد ابتكروا في عزلتهم لغة سرية جديدة ، يسجلون بها تعاليم دينهم ويكتبون بها أدبهم القومي هي لغة الالخميار ” الأعجمية” الشهيرة ، وهي نوع من القشتالية المحرقة ، تُكتب بأحرف عربية ، لا يستطيع كشف أسرارها ، وبثت اسبانية النصرانية بعد أن فرضت عليهم دينها ولغتها ومدنيتها ، تأبى أن تضمهم إلى حضيرتها وتعدهم دائماً خوارج خطرين ، وكانت ثمة جموع كبيرة في بلنسية ومرسية وغرناطة ، وكان فيليب الثالث ملكاً ضعيفاً جباناً ، وكان يخشى الموريسكيين أولئك الذين يعيشون منذ نحو قرن في ظل العبودية ، ويحملون أغلال الذل دون تذمر أو مقاومة ، وكانت الجامعة الاسبانية تصورهم بأنهم خطر على العرش والدولة ، وتصورهم الكنيسة بأنهم خطر على العقيدة الكايوليكية .

 

ترحيل الموريسكيين

 

الملك فيليب الثالث ملك اسبانية
الملك فيليب الثالث ملك اسبانية

 

في سبتمبر سنة (1609 م – 1108 هجرية)، اصدر فيليب الثالث قراره بنفي الموريسكيين المتنصرين وإخراجهم من سائر الاراضي الاسبانية ، وأن يرحلوا جميعهم ، أي مليون  ،وقيل ستمئة  في خلال ثلاثة أيام .

 

بدأت بعدها كتابات المنصفين تترى حزينة على هذه الفعلة الشنيعة ، التي قام بها فيليب الثالث الجبان المحكوم بسلطة الكنيسة العنصرية ، فهذا الأميركي د . لي ، وهو من الباحثين في موضوع الموريسكيين يقول عبارة وجيرة “إن تاريخ الموريسكيين لا يتضمن فقط مأساة تثير أبلغ عطف ، ولكنه أيضاً خلاصة لجميع الأخطاء والأهواء التي اتحدت لتنحدر بإسبانية في زهاء قرن من عظمتها أيام شال الخامس ، إلى ذلتها في عصر كارلوس الثاني ” . 

 

وهذا يوسف كوندي مؤرخ الأندلس يقول في خاتمة تاريخه على مأساة النفي :” خرج ملايين العرب من إسبانية حاملين أموالهم وفنونهم وثروات الدولة ، فماذا أنشأ الأسبان مكانهم .. لاتستيطع أن تجيب بشيء إلا أن حزناً خالداً يغمر هذه الأرض التي كانت من قبل تتنفس فيها أبهج الطبائع، أن ثمة بعض الأثار المشوهة مازالت تشرف على هذه البقاع الموحشة ، لكن صرخة حقيقية تدوي من أعماق هذه الآثار ،ومن صميم هذه الأطلال الدارسة : الشرق والمجد للعربي المغلوب والأغلال والبؤس للإسباني الظافر “.

 

انحطاط إسبانية 

 

فيليب الثاني ملك اسبانيا
فيليب الثاني ملك اسبانيا

وهذا الاستاذ لابن بول في كتابه (العرب في إسبانية) يقول :”..دوت عظمة إسبانية بسقوط غرناطة ، وقد سطعت لمدى قصير أشعة من ضوء الحاضرة العربية فوق الأرض التي كان ينعشها بحرارته ، ثم تضاءلت عظمة عصور فرديناند وايسابيلا ، وشارك الخامس وفيليب الثاني وكلوميس وكورتيز وبيزارو لتموت بموتها دولة عظيمة ، ثم خفقت أعلام الخراب بسيادة ديوان التحقيق ، وسادت بعد ذلك في إسبانية ظلمة حالكة ، فأصبح لا يُعرف الأطباء بأرض كانت علومها منيرة إلا بالجهل والقصور ، وقُضي على فنون إشبيلية وطليطلة والمرية وعفت صناعاتها ، وسُحقت المعاهد العامة حتى تزول بزوالها آثار الإسلام ، وخُربت المدن الكبيرة ، وذوت نضرة الأديان الخصيبة ، فحل البؤساء والدهماء ،واللصوص مكان الطلاب والتجار والفرسان ، ذلك مبلغ انحطاط إسبانية بعد إقصائها العرب ،وهكذا يبدو البون شائعاً بين أدوار تاريخها “.

 

هكذا لاشيء يدوم في هذا العالم ، وستبقي في مشكلة الأقليات مهما تنوعت الجنسيات ،واختلف العقائد والأفكار مصدر خوف الدول الموجودة فيها وقلقها .. والله الموفق .

 

 

*رئس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا 

 

 

نقلاً عن تراثنا – العدد الثاني عشر

أنقر للمطالعة

 

 

غلاف مجلة تراثنا - العدد الثاني عشر - ذو الحجة 1419 هجري - ابريل 1999

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

تواصل مع تراثنا

 

اترك تعليقاً