الحلقة الخامسة
ذكريات كويتية في أول عيد وطني للجزائر

تراثنا – انتقاء د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :

شغل الاستعمار الفرنسي للجزائر الشقيقة خلال الفترة من (5 يوليو 1830 – 5 يوليو 1962) الوجدان العربي والإسلامي لدى الكويت حكومة وشعباً والشعوب العربية والإسلامية عامة .
فكانت التبرعات تجمع لدعم جهاد الشعب الجزائري على قدم وساق بكل المستويات الشعبية والرسمية ، فيما كانت منابر الجمعة تحث المصلين الدعاء لهم بالنصر ، كانت اللجان الخيرية تنادي إلى دعم اخوة الجهاد في طول البلاد وعرضها .

تستطرد تراثنا في الحلقة الخامسة ،استعراض مقتطفات من كتاب (أصوات وأصداء) للأديب الكويتي فاضل خلف ،تناول خلالها ذكريات رحلته ، ووثّق فيها زيارته الأولى للجزائر في نوفمبر عام 1962 ، باعتباره عضواً ضمن وفد كويتي دبلوماسي رسمي ، لتقديم التهنئة بأول عيد وطني للجزائر بعد التحرر من الاحتلال الفرنسية .. ويروى هنا ما واجهه الوفد الكويتي عند اقتراب السيارة الدبلوماسية من عبور الخط الحدودي التونسي الجزائري .. فيقول :

.. لفت نظري عند عبورنا الحدود التونسية – الجزائرية ثلاثة أمور هامة، الأمر الأول هو الخط الحربي الضخم الذي أقامته السلطات الفرنسية عند الحدود، وهو خط ” موريس” وهو أول شيء واجهنا عند العبور، وهل يُصدق القارئ العزيز أننا لم نر أي أحد عند نقطة الحدود لا من الإنس ولا من الجن، غير الطبيعة الساحرة وبعض الحيوانات النافرة التي كانت تقفز من شجرة إلى أخرى بحثاً عن الأمن أو الراحة، وكان تغريدها الجميل هو سلوتنا الوحيدة في تلك البقاع الهادئة، ولم أقل الموحشة لأنها كانت في نظري تعج بالحركة والحياة والانس، وهل الطبيعة إلا الحركة المتجددة والحياة الهانئة والانس الدائم؟
الحب هو الحارس !
لم يكن المكان موحشاً في نظري، فالجبال الشامخة والأشجار الباذخة والمروج الخضراء، والسكينة الشاملة، كانت كلها تزود النفس بطاقة مفعمة بالحب والحياة، قلت منذ قليل “إننا لم نر أي أحد عند نقطة الحدود” وهذا شيء منطقي .. فلماذا الحراس والرسميات وقد أصبحت البلاد آمنة مطمئنة لا يدخلها إلا الشقيق والصديق؟ فلتكن الحدود إذن بدون حراس ولتكن بدون رسميات، فالحب هو الحارس الوحيد في عيد الاستقلال الذي جاء بعد مائة وثلاثين سنة من الكفاح والجهاد وبذل الأرواح.
عند خط موريس
وقفنا أمام خط “موريس” وقفة كلها عبر، فهذا الخط أنشأه الغزاة لحماية جحافلهم من هجمات المجاهدين الجزائريين المظفرة التي كانت تُشن من الأراضي التونسية، ولإيقاف السلاح المتدفق على أرض البطولة والجهاد، ولكن إيمان الجزائر، وعزم المجاهدين، وتصميم الأبطال، سحقت هذا الخط الجهنمي وجعلته كالهشيم، فالأسوار المشيدة من أحجار وطين والتي كانت تفيد في العصور القديمة برغم بدائيتها، أصبحت اليوم غير مجدية رغم أنها أصبحت من كهرباء ونار وحديد، وهكذا أصبحت اليوم هذا الجدار الذي كان يظنه الغزاة شامخاً، هيكلاً حديدياً لا روح فيه.
طريق غار الدماء

توزيع الإعانات الغذائية على اللاجئين الجزائريين في غار الدماء في 26يناير 1958 نقلا عن صفحة تاريخ وذكريات سوق أهراس
وقفنا أمام خط موريس برغم انتهاء الحرب المقدسة منذ ستة أشهر، وقفة الخائف المترقب ، إذ كيف السبيل إلى اقتحام بابه الضخم؟ ومن يضمن لنا أنه غير مكهرب؟ وهل من المستبعد ألا نكون نحن من ضحاياه؟ فتنفجر سيارتنا بنا ونحن نحاول العبور؟ اليس من الممكن أن تكون الغامه حية حتى هذه الساعة أو بعضها على الأقل؟ إنها ورطة وقعنا فيها، لما سلكنا طريق “غار الدماء” ولم نسلك طريق “ببوش” لماذا؟
الوحش المفترس
وقفنا حائرين لا ندري ماذا نصنع لكي نفتح الباب الحديدي الضخم الذي يواجهنا كالوحش المفترس؟ ونزلنا من السيارة، واتجهنا بحذر إلى باب الخط ونحن نخطو بكل رفق على الأرض ، وكنت أردد على مسامع الزملاء بيت فيلسوف المعرة أبي العلاء بتحريف بسيط : خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الألغام .
وبينما كنا في هذه الحالة التي لا تسر الصديق ظهر لنا شخص جزائري من الغابة عرفنا اسمه بعد ذلك وهو “الأخضر “، وكان مديد القامة يلبس الملابس العربية الجزائرية، فلما رأى ما نحن فيه من خوف أصابته العدوى ، فوقع هو أيضاً في فزع شديد، فقلت له : يا هذا كيف إذن واجهت الغزاة الفرنسيين؟ ألم تكن جندياً شجاعاً في جيش التحرير؟ أتخاف من خط حربي مضى على انتهاء مهمته أكثر من نصف سنة؟ إذن ماذا نقول نحن الذين لم نر في حياتنا بندقية صيد؟
فرنسية إلى الأبد

عند ذلك تشجع الأخضر فتناول خشبة مسندة طولها متران تقريباً وتقدم من الباب، ثم مسه مساً رقيقاً، فاستسلم له قليل، ثم زاد في دفعه فأخذ يصر صريراً مزعجاً، ويفتح شيئاً فشيئاً حتى أصبح على مصراعيه وعند ذلك تنفس الأخضر الصعداء فتنفسنا معه الصعداء، ولكننا لم نطمئن إلا بعد أن خطا عدة خطوات فوصد الباب، ثم شكرناه ودخلنا الجزائر من أخطر الأبواب بل من أرحب الأبواب، وهو باب خط موريس الذي حطم المجاهدون الجزائريون أسطورته “الجوفاء “، فأصبحنا نحن بعد بضعة شهور نتلهى بحديد، بقطعة من الخشب لعلها كانت من مخلفات الجيش الفرنسي، الذي ولى الأدبار، وترك الجزائر حرة مستقلة بعد أن كانت قطعة من فرنسا، بل كانت :” فرنسية إلى الأبد” على حد زعم جاك سوستيل ومن لف له من الغزاة.
قرية ساقية سيدي يوسف
والأمر الثاني هو أن قرية “ساقية سيدي يوسف” عندما عبرنا كانت على يسارنا وتبعدنا مسافة تقدر بخمسين كيلومتراً، وهذه القرية هي التي قصفتها القوات الفرنسية منذ ثلاث سنوات جواً وبراً أي في عام ١٩٥٩، عندما التجأ إليها المجاهدون الجزائريون، بعد عملية فدائية مظفرة على إحدى الدوريات الفرنسية، فأصبحت القرية خاوية على عروشها بعد أن كنت عامرة بسكانها الآمنين العزل.
قصيدة “نهر مجردة “

وبذلك اختلط الدم الجزائري بالدم التونسي ، أصبح يوم 11 فبراير من الأعياد القومية التي يحتفل بها البلدان الشقيقان حتى يومنا هذا، وقد ذكرت “الساقية” في قصيدة لي بعنوان ” نهر مجردة” ومجردة هذا، هو نهر تونس الذي ينبع من جبال الجزائر ويصب في البحر الأبيض المتوسط بالقرب من بلدة قلعة الأندلس، وهذه بعض أبيات القصيدة :
أتونسُ إن غنَّيتُ مَجْرَرَةً فقد
أعادتْ شبابي بعد أن جاوز المدى
أتونسُ إن مجّدت نهرك إنما
أمجد فيك الأريحية والندى
فإنك دار للمكارم والقِرى
تغنّى بك التاريخ والشعر غردا
وأنت ملاذ الحر إن جار دهره
يروح ويغدو في حماك مؤيدا
تعهد أبطال الجزائر في الوغى
فما أرهبتك النازلات ولا الردى
و”ساقية” الأحرار قد روت الثرى
دماً سيَبقى وَقْدُها متجدداً
والأمر الثالث هو أننا بعد أن توغلنا في التراب الجزائري الفواح بالعبير، وتوسطنا المسافة بين الحدود وبين سوق أهراس، اعترضتنا صخرة كبيرة انزلقت من الجبال الشاهقة على يسارنا من تأثير الأمطار الغزيرة فسدت الطريق، وتوقفت السيارة، ففتحتُ الباب ونزلت لأزاحتها عن الطريق فماذا رأيت؟ ماذا رأيت؟ لقد رأيت منظراً لست أدري أيجود به الزمان مرة ثانية أم لا يجود؟ لقد كان ذلك المنظر الفاتن كل الفتون، خافياً عن بصري عندما كنت في السيارة بتأثير أنفاس خمسة أشخاص، سببت صباباً يحجب الرؤية الخارجية.
طالع الحلقة الرابعة :
جبال الأوراس والغابات والأسواق شاهدة على تضحيات الجزائر
يتبع لاحقاً ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 99


تواصل مع تراثنا
