الحلقة الثانية والأخيرة
حضارات سادت ثم بادت

تراثنا – مأمون عبداللطيف الرحال * :
تعاقبت على سورية حضارات ومجتمعات بشرية عدة منذ آلاف السنين استقرت في مواقع جغرافية مختلفة، ففي المنطقة الواقعة شمالي غربي سورية والممتدة على مساحة 5500 كيلومتر مربع بين محافظات حماه وحلب وإدلب توجد مجموعة من المستوطنات الأثرية المهجورة تعد من أكثر تجمعات المناطق الأثرية كثافة في وحدة المساحة.

في الحلقة الثانية والأخيرة ، من تقريرنا حول المدن المنسية في شمال غرب سورية ، نتوقف حول كتلة جبل سمعان وحلقة ، وما تضمه من قرى ومدن أثرية منسية من عهود غابرة .
وهي تشمل القرى التالية :
براد – برج حيدر – كلوتا – خراب شمس – كفر نبو – سنخار – دير سمعان – المشبك – فافرتين – قصر البنات – سرقانيا – بطوطة – صوغانة – كيمار – دير مشمش – باصوفان – شيخ سليمان – قورش – سرجيلا .
قرية خراب شمس

وتعد خراب شمس من أهم تلك القرى أوالمدن القديمة، وهي عبارة عن مستوطنة وكنيسة بيزنطية ضخمة يعود تاريخ بنائها إلى القرن الرابع الميلادي وهي من أقدم الكنائس الباقية في المنطقة من الطراز البازيليكي وتتميز بوجود درابزين المذبح وأحجاره المزخرفة .
تضمُّ خراب شمس آثاراً تعود لعصور مختلفة، منها بيوت حجرية وأديرة مثل دير سوباط وفيها معاصر زيوت وثلاث كنائس وأضرحة ضخمة، وقلعة أبي سفيان .
آثار وثنية في خراب شمس
يعتقد المؤرخون بأنّ قرية “خراب شمس” كانت مزدهرة منذ الفترة الوثنية وأنها كانت معبداً وثنياً قبل دخول المسيحية، ويُستدل على ذلك من خلال الآثار الموجودة مثل واجهة بناء لنجفة ضخمة ، نُقش عليها قرص الشمس والقمر محاطين برأس ثور، ودليلهم في ذلك اسمها وكذلك من بعض الدور التي تحوي على رأس الثور وقرص الشمس وأغصان الأشجار .
أما سبب تسميتها بهذا الإسم فهو كثرة أقراص الشمس الموجودة فيها والمنقوشة على نجفات معابدها القديمة والدور السكنية فيها، ويُطلق عليها بعض القساوسة (القفر المشمس) بينما تسميها بعض المصادر التاريخية الأخرى (مغيب الشمس) .
معالم جبل سمعان
من أشهر معالم جبل سمعان القلعة وديرأو كنيسة القديس سمعان العمودي بتصميمه المعماري الفريد، والذي يبلغ ارتفاعة 40 متراً، ويقع على مساحة 5 آلاف متر مربع.

وهذه الكنيسة مبنية على شكل صليب ومؤلفة من أربعة بازيليكيات تلتقي مع بعضها في ساحة مثمنة الشكل، يقع في وسطها العمود الذي عاش عليه سمعان العمودي القديس الذي اخترع شكلاً غير مسبوق من التنسك حيث عاش فوق عمود حجري ارتفاعه نحو 15 مترًا، مدة 36 سنة واقفًا عليه يتعبد دون أن ينزل !
توفى واقفا على عمود !
ويُروى أنه كان يصوم الأربعين يومًا واقفًا بلا طعام أو شراب، ويتواصل مع الناس من أسفل العمود عبر سلال ورسائل مكتوبة، وظلّ في هذه الهيئة حتى توفي واقفًا على رأس العمود، وقد ألهمت طريقته تنسكه هذه موجة من “النسّاك العموديين” في شمال سوريا، ثم انتقلت إلى أوروبا في العصور اللاحقة، لتصبح أحد أغرب مظاهر التدين في التاريخ .
عصابات تهريب الأثار

تعرضت هذه المواقع الأثرية لأعمال تنقيب وتخريب وسرقة كما نشطت فيها عصابات تهريب الآثار من منقبين وتجار ومهربين . وازداد هذا الضرر خلال فترة النزاع في سوريا بسبب الإهمال، والتّنقيب غير المشروع، والتّوسع العمراني، والاستخدام العسكريّ، يضاف إلى ذلك التغيرات المناخية .
وشملت الأضرار تدمير أجزاءً من المباني، وتآكل العناصر الزخرفية، وتهريب قطع أثريّة من مواقع مثل البارة وجرادة وسيرجيلا، ورغم بقاء الكثير من القرى بهيئاتها المعمارية الأساسيّة، إلا أنّ غياب التدخل الفعّال يهدد بفقدانها، ما يستدعي تحرّكاً عاجلاً للتّوثيق والحماية خاصة بعد أن لجأ إليها الكثير من سكان مدينة ادلب ومعرّة النعمان هربا من المعارك التي تعرضت إليها مدنهم .
التراث العالمي واليونسكو
وقد أدرجت منظمة اليونسكو هذه المواقع ضمن قائمة التراث العالمي المهدد عام 2013 نظراً لقيمتها التاريخية والمعمارية الفريدة لما تمثله من نموذج فريد للاستيطان الريفيّ يعكس ملامح الحياة الريفية في العصور الرومانية والبيزنطية، وما تحتويه من معابد وكنائس وبيوت ومعاصر وآثار عمرانية متميزة وبسبب التخريب والحفر العشوائي الذي قامت به العصابات الارهابية وعصابات سرقة الآثار.
* كاتب من سوريا
طالع الحلقة الأولى :
المدن المنسية في شمال غرب سورية
نقلاً عن تراثنا – العدد 97

تواصل مع تراثنا

