الحلقة الرابعة والأخيرة
ذكريات كويتية في أول عيد وطني للجزائر

تراثنا – انتقاء د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :

شغل الاستعمار الفرنسي للجزائر الشقيقة خلال الفترة من (5 يوليو 1830 – 5 يوليو 1962) الوجدان العربي والإسلامي لدى الكويت حكومة وشعباً والشعوب العربية والإسلامية عامة .
فكانت التبرعات تجمع لدعم جهاد الشعب الجزائري على قدم وساق بكل المستويات الشعبية والرسمية ، فيما كانت منابر الجمعة تحث المصلين الدعاء لهم بالنصر ، كانت اللجان الخيرية تنادي إلى دعم اخوة الجهاد في طول البلاد وعرضها .

في الحلقة الرابعة والأخيرة ، تختتم تراثنا استعراض مقتطفات من كتاب (أصوات وأصداء ) للأديب الكويتي فاضل خلف ، سرد خلالها ذكرياته ، ووثق فيها زيارته الاولى للجزائر في نوفمبر عام 1962 ، باعتباره عضواً ضمن وفد كويتي رسمي لتقديم التهنئة بأول عيد وطني للجزائر بعد التحرر من الاحتلال الفرنسي ، ويوجه في السطور التالية تحياته وتأييده للشهداء وأسرهم في تلك المأساة الكبيرة :
تحية لشهداء 1830

“الله يرحم الشهداء” ومن هم الشهداء؟ إنهم أولاً الذين رفضوا الغزو من عام 1830 فكانت لهم على مسرح الحياة بطولات مشرقة وتحديات سافرة ضد الذين جاءوا من وراء البحار، فكانوا وجهاً لوجه معهم بدون خوف، وقدموا أرواحهم فداء للأرض الطاهرة، وأبوا أن تدنسها أقدام أعداء الوطن والدين وللغة والتقاليد والعادات.
وهؤلاء الشهداء هم في الغالب، من الرجال الذين حملوا السلام في وجه الغزاة، سواء أكان هؤلاء الرجال في المدن العامرة، أم في القرى أم في الجبال ومنعرجاتها وتجاويفها، أم في الغابات الكثيفة التي كانت نقطة الانطلاق في عملياتهم الفدائية.
فإذا ضربوا الأهداف كانت تلك الغابات لهم نعم الملجأ والمأوى، وان تعرضت في كثير من الأحيان للحرق من قبل العدو الذي يتعقب المجاهدين، حتى مخابئهم، فتصبح المعركة عند ذلك سافرة لا تنتهي إلا بانتهاء آخر طلقة وآخر فدائي ، وربما كان العكس هو الصحيح، إذا لم تأت نجدة للدورية من أقرب ثكنة من ثكنات الجيش الفرنسي.
الشهداء المدنيون
والشهداء ثانياً – هم من المدنيين العزل الذين كانوا يقدمون المساعدات من أي نوع كانت إلى فرسان الميدان، كأن يؤوي أحدهم مجاهداً أو يزوده بالمؤونة، أو ينقل له أو إليه رسالة سرية عن تحركات المجاهدين، فكان الغزاة يضربون بكل قسوة ويبطشون بدون رأفة وينتقمون بغير تسامح، فكانت المنازل تنهار على رؤوس ساكنيها، والقرى تدمر، ويُشرد من يسلم من أهلها في العراء، بدون مأوى، ويكون وقود المعركة شهداء من الرجال والنساء والأطفال. وقد رأيت بعيني أنقاضاً كانت في يوم من الأيام مساكن وقرى آمنة، ورأيت قرى كثيرة لم يبق فيها إلا العجائز والأطفال، أما الشبان من رجال ونساء فكانوا من الشهداء في عالم الخلود.
سوق أهراس وجبال الأوراس شاهدة

“الله يرحم الشهداء” فهذه آثارهم في “سوق أهراس” بعد الظهر من يوم 30 أكتوبر 1962، فوجدناها برغم جراحها النازفة، قد لبست حلة قشبية من الفرح والزينات. ومن الذي لم يسمع بجبال الأوراس، معاقل الثوار ومصارع الشهداء، ومن هو الذي رسم لنا طريق الرحلة، بحيث يكون طريقنا على هذه الساحة الطاهرة التي ارتوت من دماء الرجال، وتخضبت بدمائهم، وحرصوا على الموت، فوهبت لهم الحياة، وإذا كان فيهم من لم يشهد ثمرة الجهاد، فقد وهب له الحياة باذخة في ديار الخلود مع الشهداء والصديقين، وحسبهم أنهم جعلوا من أجسادهم جسوراً ممهدة لأبنائهم واخوانهم، الذين عبروا عليها إلى الضفة الأخرى حيث العزة والكرامة والمجد، وحيث الرايات المظفرة تخفق على الرؤوس المرفوعة أبداً، والتي لم تعرف الخفض منذ عام 1830.

فمن رسم لنا طريق الرحلة؟ لقد كان أمامنا في الشمال التونسي الشرقي طريقان .. أحدهما يؤدي إلى “عنابة” على ساحل البحر ، ومنها إلى عاصمة الجزائر، والثاني يؤدي إلى قسنطينة بدون المرور على “سوق أهراس” قلب الكفاح في الأوراس، فمن الذي جاء بنا إلى هنا؟.
لولا لطف الله ..
إن أرواح الشهداء هي التي كانت دليلنا في رحلتنا وقد أبت هذه الأرواح الطاهرة إلا أن تسلك بنا طريقاً يؤدي إلى هذه الطرق الجبال الشم، برغم أن هذا الطريق الذي سلكناه كان من أسوأ وأردأ الطرق المؤدية إلى عاصمة الجزائر، فقد دمرته الحرب الطويلة التي استمرت ثمانية أعوام فجعلته غير صالح للعبور، وجعلت سالكيه من المغامرين الشجعان، ولولا لطف الله لانزلقت سيارتنا في هوة سحيقة بسبب ضيق الطريق وعدم صلاحيته، ولكن مهارة السائق وأعصابه الهادئة وسيطرته على المقود، كتبت لنا الحياة ثانية فأصبحنا من أجهل السلامة.
يقبلون علم الكويت

ووقفت السيارة للاستراحة، وتجمهر آباء الشهداء، وأحفاد الشهداء حولنا، فكان هذا يقبل علم الكويت، وكان ذلك يلثم حديد السيارة، واندفع الجمع في مظاهرة حب وحنان لمصافحة الأشقاء الذين جاءوا من بلاد بعيدة لتهنئة الأشقاء بعيدهم الوطني الذي جاء بعد مئة وثلاثين سنة من كفاح الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد.
اندفع الجمع الحاشد لمصافحة الأشقاء الذين جاءوا إلى هذه الأرجاء التي قدمت مليوناً من الشهداء، في أقل من ثمانية أعوام … فالله يرحم الشهداء .. الله يرحم الشهداء.
*رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا
طالع الحلقة الثالثة :
جماهير الجزائر المبتهجة بالتحرر من الاستعمار تحاصر سيارة السفارة الكويتية
نقلاً عن تراثنا – العدد 98

تواصل مع تراثنا

