• Post published:الثلاثاء 29 محرم 1448هـ 14-7-2026م

الحلقة الرابعة والأخيرة 

ذكريات كويتية في أول عيد وطني للجزائر

 

الجزائر بعد الاستقلال والتحرر من هيمنة الاستعمار الفرنسي البغيض
الجزائر بعد الاستقلال والتحرر من هيمنة الاستعمار الفرنسي البغيض

 

تراثنا – انتقاء د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :

 

د . محمد بن إبراهيم الشيباني رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا في الكويت
د . محمد الشيباني

شغل الاستعمار الفرنسي للجزائر الشقيقة خلال الفترة من (5 يوليو 1830 – 5 يوليو 1962) الوجدان العربي والإسلامي لدى الكويت حكومة وشعباً والشعوب العربية والإسلامية عامة .

 

فكانت التبرعات تجمع لدعم جهاد الشعب الجزائري على قدم وساق بكل المستويات الشعبية والرسمية ، فيما كانت منابر الجمعة تحث المصلين الدعاء لهم بالنصر ، كانت اللجان الخيرية تنادي إلى دعم اخوة الجهاد في طول البلاد وعرضها .

 

 

فاضل خلف
صو الاستاذ فاضل خلف

في الحلقة الرابعة والأخيرة ، تختتم تراثنا استعراض مقتطفات من كتاب (أصوات وأصداء ) للأديب الكويتي فاضل خلف ، سرد خلالها ذكرياته ، ووثق فيها زيارته الاولى للجزائر في نوفمبر عام 1962 ، باعتباره عضواً ضمن وفد كويتي رسمي لتقديم التهنئة بأول عيد وطني للجزائر بعد التحرر من الاحتلال الفرنسي ، ويوجه في السطور التالية تحياته وتأييده للشهداء وأسرهم في تلك المأساة الكبيرة :

 

تحية لشهداء 1830 

 

كتاب أصوات و أصداء لمؤلفه فاضل خلف - يرحمه الله
كتاب أصوات وأصداء لمؤلفه فاضل خلف يرحمه الله

“الله يرحم الشهداء” ومن هم الشهداء؟ إنهم أولاً الذين رفضوا الغزو من عام 1830 فكانت لهم على مسرح الحياة بطولات مشرقة وتحديات سافرة ضد الذين جاءوا من وراء البحار، فكانوا وجهاً لوجه معهم بدون خوف، وقدموا أرواحهم فداء للأرض الطاهرة، وأبوا أن تدنسها أقدام أعداء الوطن والدين وللغة والتقاليد والعادات.

 

وهؤلاء الشهداء هم في الغالب، من الرجال الذين حملوا السلام في وجه الغزاة، سواء أكان هؤلاء الرجال في المدن العامرة، أم في القرى أم في الجبال ومنعرجاتها وتجاويفها، أم في الغابات الكثيفة التي كانت نقطة الانطلاق في عملياتهم الفدائية.

 

فإذا ضربوا الأهداف كانت تلك الغابات لهم نعم الملجأ والمأوى، وان تعرضت في كثير من الأحيان للحرق من قبل العدو الذي يتعقب المجاهدين، حتى مخابئهم، فتصبح المعركة عند ذلك سافرة لا تنتهي إلا بانتهاء آخر طلقة وآخر فدائي ، وربما كان العكس هو الصحيح، إذا لم تأت نجدة للدورية من أقرب ثكنة من ثكنات الجيش الفرنسي.

 

الشهداء المدنيون

 

والشهداء ثانياً – هم من المدنيين العزل الذين كانوا يقدمون المساعدات من أي نوع كانت إلى فرسان الميدان، كأن يؤوي أحدهم مجاهداً أو يزوده بالمؤونة، أو ينقل له أو إليه رسالة سرية عن تحركات المجاهدين، فكان الغزاة يضربون بكل قسوة ويبطشون بدون رأفة وينتقمون بغير تسامح، فكانت المنازل تنهار على رؤوس ساكنيها، والقرى تدمر، ويُشرد من يسلم من أهلها في العراء، بدون مأوى، ويكون وقود المعركة شهداء من الرجال والنساء والأطفال. وقد رأيت بعيني أنقاضاً كانت في يوم من الأيام مساكن وقرى آمنة، ورأيت قرى كثيرة لم يبق فيها إلا العجائز والأطفال، أما الشبان من رجال ونساء فكانوا من الشهداء في عالم الخلود.

سوق أهراس وجبال الأوراس شاهدة

 

صورة لأحد شوارع سوق أهراس في الجزائر في الحقبة الاستعمارية ويبدو الأهالي بأزيائهم الشعبية .
صورة لأحد شوارع سوق أهراس في الجزائر في الحقبة الاستعمارية ويبدو الأهالي بأزيائهم الشعبية .

 

“الله يرحم الشهداء” فهذه آثارهم في “سوق أهراس” بعد الظهر من يوم 30 أكتوبر 1962، فوجدناها برغم جراحها النازفة، قد لبست حلة قشبية من الفرح والزينات. ومن الذي لم يسمع بجبال الأوراس، معاقل الثوار ومصارع الشهداء، ومن هو الذي رسم لنا طريق الرحلة، بحيث يكون طريقنا على هذه الساحة الطاهرة التي ارتوت من دماء الرجال، وتخضبت بدمائهم، وحرصوا على الموت، فوهبت لهم الحياة، وإذا كان فيهم من لم يشهد ثمرة الجهاد، فقد وهب له الحياة باذخة في ديار الخلود مع الشهداء والصديقين، وحسبهم أنهم جعلوا من أجسادهم جسوراً ممهدة لأبنائهم واخوانهم، الذين عبروا عليها إلى الضفة الأخرى حيث العزة والكرامة والمجد، وحيث الرايات المظفرة تخفق على الرؤوس المرفوعة أبداً، والتي لم تعرف الخفض منذ عام 1830.

 

جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر
جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر

فمن رسم لنا طريق الرحلة؟ لقد كان أمامنا في الشمال التونسي الشرقي طريقان .. أحدهما يؤدي إلى “عنابة” على ساحل البحر ، ومنها إلى عاصمة الجزائر، والثاني يؤدي إلى قسنطينة بدون المرور على “سوق أهراس” قلب الكفاح في الأوراس، فمن الذي جاء بنا إلى هنا؟.

 

لولا لطف الله ..

 

إن أرواح الشهداء هي التي كانت دليلنا في رحلتنا وقد أبت هذه الأرواح الطاهرة إلا أن تسلك بنا طريقاً يؤدي إلى هذه الطرق الجبال الشم، برغم أن هذا الطريق الذي سلكناه كان من أسوأ وأردأ الطرق المؤدية إلى عاصمة الجزائر، فقد دمرته الحرب الطويلة التي استمرت ثمانية أعوام فجعلته غير صالح للعبور، وجعلت سالكيه من المغامرين الشجعان، ولولا لطف الله لانزلقت سيارتنا في هوة سحيقة بسبب ضيق الطريق وعدم صلاحيته، ولكن مهارة السائق وأعصابه الهادئة وسيطرته على المقود، كتبت لنا الحياة ثانية فأصبحنا من أجهل السلامة.

 

يقبلون علم الكويت 

 

العلم الكويتي
العلم الكويتي

 

ووقفت السيارة للاستراحة، وتجمهر آباء الشهداء، وأحفاد الشهداء حولنا، فكان هذا يقبل علم الكويت، وكان ذلك يلثم حديد السيارة، واندفع الجمع في مظاهرة حب وحنان لمصافحة الأشقاء الذين جاءوا من بلاد بعيدة لتهنئة الأشقاء بعيدهم الوطني الذي جاء بعد مئة وثلاثين سنة من كفاح الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد.

 

اندفع الجمع الحاشد لمصافحة الأشقاء الذين جاءوا إلى هذه الأرجاء التي قدمت مليوناً من الشهداء، في أقل من ثمانية أعوام … فالله يرحم الشهداء .. الله يرحم الشهداء.

 

*رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا 

 

طالع الحلقة الثالثة :

 

جماهير الجزائر المبتهجة بالتحرر من الاستعمار تحاصر سيارة السفارة الكويتية 

 

نقلاً عن تراثنا – العدد 98 

أنقر للمطالعة

 

 

غلاف مجلة تراثنا في عددها رقم 98 الصادر بتاريخ يوليو 2026 م - ذو الحجة 1447 هجري

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

تواصل مع تراثنا 

 

 

 


 

الحلقة الثالثة

ذكريات كويتية في أول عيد وطني للجزائر

 

جدارية النصر على الاستعمار الفرنسي وبدأ مرحلة البناء والتعمير في الجزائر الحرة

 

تراثنا – انتقاء د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :

 

د . محمد بن إبراهيم الشيباني رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا في الكويت
د . محمد الشيباني

شغل الاستعمار الفرنسي للجزائر الشقيقة خلال الفترة من (5 يوليو 1830 – 5 يوليو 1962) الوجدان العربي والإسلامي لدى الكويت حكومة وشعباً والشعوب العربية والإسلامية عامة .

 

فكانت التبرعات تجمع لدعم جهاد الشعب الجزائري على قدم وساق بكل المستويات الشعبية والرسمية ، فيما كانت منابر الجمعة تحث المصلين الدعاء لهم بالنصر ، كانت اللجان الخيرية تنادي إلى دعم اخوة الجهاد في طول البلاد وعرضها .

 

 

فاضل خلف
الاستاذ فاضل خلف

في الحلقة (الثالثة) ، يسترسل الأديب الكويتي فاضل خلف سرد ذكرياته في كتابه (أصوات وأصداء) الذي يصنف في أطار (أدب الرحلات) ، حيث وثق فيها زيارته الاولى للجزائر في نوفمبر عام 1962 ،باعتباره عضواً في وفد كويتي رسمي لتقديم التهنئة بأول عيد وطني للجزائر بعد التحرر من الاحتلال الفرنسي :

 

محاصرة سيارة  السفارة الكويتية

 

قسوة وشراسة الاستعمار الفرنسي مع أبناء ألجزائر الأحرار
قسوة وشراسة الاستعمار الفرنسي مع أبناء ألجزائر الأحرار

منذ أن عبرنا الحدود التونسية – الجزائرية عن طريق غار الدماء، واللافتات البيضاء الكبيرة، التي تحمل كلمة “الله يرحم الشهداء”، تواجهنا في كل مكان، بل لقد نُقشت هذه الكلمات المضيئة الشجية على الجدران، وعلى السيارات، وعلى واجهات المنازل.

 

كانت السيارة الكاديلاك الدبلوماسية التابعة لسفارة الكويت في تونس، تشق طريقها بصعوبة بين زحام الهازجين الذين تجمعوا على جانبي الطريق يحيون السيارة الفخمة، ومن بداخلها من الأصدقاء الذين جاءوا للتهنئة بعيدهم الوطني المجيد. وكانت الجماهير الشادية توقف السيارة الصديقة لكي تقبل علم الكويت المرفرف وسط زغاريد النساء، وهتافات الرجال.

 

“الله يرحم الشهداء” كان يتردد صداها في الآفاق، فتختلط مظاهر البهجة بعلامات الحزن، فتصطرع في النفس عند ذلك عاطفتان متنافرتان .. عاطفة الفرحة الكبرى بعيد النصر المبين الذي أحرزته الجزائر بعد كفاح طويل .. وعاطفة الحزن العميق على الشهداء الذين بذلوا بالدماء والأرواح منذ أكثر من قرن وثلث قرن، الحزن العميق الذي كان يظهر بوضوح وجلاء، على الوجوه في كل مكان.

 

 الجزائر الحديثة

 

إن تاريخ الكفاح الجزائري لم يكتب حتى الآن، برغم ما صدر من كتب في الشرق والغرب عن الجزائر ونضالها، إن زعماء الجزائر، منذ أن ألقوا سلاح الميدان وهم يعملون في صمت بسلاح الاصلاح، لإنشاء الجزائر الحديثة، وتعمير ما دمرته الحرب العاتية التي أتت على كل أثر للمدنية في هذا الجزء الغالي من الوطن العربي.

 

إن زعماء الجزائر لو أرادوا الحديث عن الكفاح المقدس، لوجدوا في كل ساعة من ساعات التاريخ من ١٨٣٠، حدثاً يملأ المجلدات الضخام خطه الأبطال المجاهدون بدمائهم الزكية الطاهرة، ولكنهم آثروا العمل الجاد على الكلام المعاد.

 

الصمت عن الكلام

 

الجزائريون في مواجهة الاستعمار الفرنسي
الجزائريون في مواجهة الاستعمار الفرنسي

 

فظلت الثورة الجزائرية بعيدة عن الأضواء قريبة من قلوب الأحباء من أحرار العالم العالم في كل الأرجاء ،إن زعماء الجزائر عندما صمتوا عن الكلام المعاد، لم يصمتوا عن خوف، لأن الشعب الذي سحق الامبراطورية الفرنسية لا يخاف من أية امبراطورية أخرى قد تأتي بها الأيام، ولم يصمتوا عن زهد في الحياة لأن جيش التحرير الذي كتب بالدم الطاهر سفر الحياة، لا يزهد بالحياة الحرة الكريمة، ولم يصمتوا عن كره للمجد، لأن الأبطال الذين أداروا أكبر معركة للكفاح، إنما رسموا طريق المجد للأحرار في كل مكان.

الحرية

 

«الله يرحم الشهداء» من رجال الجزائر الذين بذلوا الدماء، وإذا تكلم الدم توقف الكلام، لذلك فقد كان صمتهم بعد الاستقلال هو صمت المجاهد الصابر الذي كان لا يرجو من وراء كفاحه الطويل، ونضاله المجيد، وتضحيته الجسيمة إلا الوصول إلى غاية نبيلة، ألا وهي “الحرية”.

 

 الآلة والإخلاص

 

فرحة الجزائريين في الانتصار على المستعمر الفرنسي وخرجه من البلاد في يوليو 1962
فرحة الجزائريين في الانتصار على المستعمر الفرنسي وخرجه من البلاد في يوليو 1962

 

وعندما أشرقت الحرية على المرابع بعد قرن من الزمان وثلث، تحول السلاح الجبار، سلاح الآلة وسلاح الإيمان وسلاح الإخلاص وسلاح الصدق، إلى ثورة جامحة هي ثورة العمل الجاد الهادف نحو مستقبل أفضل للجزائر، أما الكلام فليس له وجود في قاموس الجزائريين الأحرار.

طالع الحلقة الثالثة :

 

جماهير الجزائر المبتهجة بالتحرر من الاستعمار تحاصر سيارة السفارة الكويتية 

 

نقلاً عن تراثنا – العدد 98 

أنقر للمطالعة

 

 

غلاف مجلة تراثنا في عددها رقم 98 الصادر بتاريخ يوليو 2026 م - ذو الحجة 1447 هجري

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

تواصل مع تراثنا 

 

 

 

 

اترك تعليقاً