الحلقة الثالثة
ذكرايات كويتية في أول عيد وطني للجزائر

تراثنا – انتقاء د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :

شغل الاستعمار الفرنسي للجزائر الشقيقة خلال الفترة من (5 يوليو 1830 – 5 يوليو 1962) الوجدان العربي والإسلامي لدى الكويت حكومة وشعباً والشعوب العربية والإسلامية عامة .
فكانت التبرعات تجمع لدعم جهاد الشعب الجزائري على قدم وساق بكل المستويات الشعبية والرسمية ، فيما كانت منابر الجمعة تحث المصلين الدعاء لهم بالنصر ، كانت اللجان الخيرية تنادي إلى دعم اخوة الجهاد في طول البلاد وعرضها .

في الحلقة (الثالثة) ، يسترسل الأديب الكويتي فاضل خلف سرد ذكرياته في كتابه (أصوات وأصداء) الذي يصنف في أطار (أدب الرحلات) ، حيث وثق فيها زيارته الاولى للجزائر في نوفمبر عام 1962 ،باعتباره عضواً في وفد كويتي رسمي لتقديم التهنئة بأول عيد وطني للجزائر بعد التحرر من الاحتلال الفرنسي :
محاصرة سيارة السفارة الكويتية

منذ أن عبرنا الحدود التونسية – الجزائرية عن طريق غار الدماء، واللافتات البيضاء الكبيرة، التي تحمل كلمة “الله يرحم الشهداء”، تواجهنا في كل مكان، بل لقد نُقشت هذه الكلمات المضيئة الشجية على الجدران، وعلى السيارات، وعلى واجهات المنازل.
كانت السيارة الكاديلاك الدبلوماسية التابعة لسفارة الكويت في تونس، تشق طريقها بصعوبة بين زحام الهازجين الذين تجمعوا على جانبي الطريق يحيون السيارة الفخمة، ومن بداخلها من الأصدقاء الذين جاءوا للتهنئة بعيدهم الوطني المجيد. وكانت الجماهير الشادية توقف السيارة الصديقة لكي تقبل علم الكويت المرفرف وسط زغاريد النساء، وهتافات الرجال.
“الله يرحم الشهداء” كان يتردد صداها في الآفاق، فتختلط مظاهر البهجة بعلامات الحزن، فتصطرع في النفس عند ذلك عاطفتان متنافرتان .. عاطفة الفرحة الكبرى بعيد النصر المبين الذي أحرزته الجزائر بعد كفاح طويل .. وعاطفة الحزن العميق على الشهداء الذين بذلوا بالدماء والأرواح منذ أكثر من قرن وثلث قرن، الحزن العميق الذي كان يظهر بوضوح وجلاء، على الوجوه في كل مكان.
الجزائر الحديثة
إن تاريخ الكفاح الجزائري لم يكتب حتى الآن، برغم ما صدر من كتب في الشرق والغرب عن الجزائر ونضالها، إن زعماء الجزائر، منذ أن ألقوا سلاح الميدان وهم يعملون في صمت بسلاح الاصلاح، لإنشاء الجزائر الحديثة، وتعمير ما دمرته الحرب العاتية التي أتت على كل أثر للمدنية في هذا الجزء الغالي من الوطن العربي.
إن زعماء الجزائر لو أرادوا الحديث عن الكفاح المقدس، لوجدوا في كل ساعة من ساعات التاريخ من ١٨٣٠، حدثاً يملأ المجلدات الضخام خطه الأبطال المجاهدون بدمائهم الزكية الطاهرة، ولكنهم آثروا العمل الجاد على الكلام المعاد.
الصمت عن الكلام

فظلت الثورة الجزائرية بعيدة عن الأضواء قريبة من قلوب الأحباء من أحرار العالم العالم في كل الأرجاء ،إن زعماء الجزائر عندما صمتوا عن الكلام المعاد، لم يصمتوا عن خوف، لأن الشعب الذي سحق الامبراطورية الفرنسية لا يخاف من أية امبراطورية أخرى قد تأتي بها الأيام، ولم يصمتوا عن زهد في الحياة لأن جيش التحرير الذي كتب بالدم الطاهر سفر الحياة، لا يزهد بالحياة الحرة الكريمة، ولم يصمتوا عن كره للمجد، لأن الأبطال الذين أداروا أكبر معركة للكفاح، إنما رسموا طريق المجد للأحرار في كل مكان.
الحرية
«الله يرحم الشهداء» من رجال الجزائر الذين بذلوا الدماء، وإذا تكلم الدم توقف الكلام، لذلك فقد كان صمتهم بعد الاستقلال هو صمت المجاهد الصابر الذي كان لا يرجو من وراء كفاحه الطويل، ونضاله المجيد، وتضحيته الجسيمة إلا الوصول إلى غاية نبيلة، ألا وهي “الحرية”.
الآلة والإخلاص

وعندما أشرقت الحرية على المرابع بعد قرن من الزمان وثلث، تحول السلاح الجبار، سلاح الآلة وسلاح الإيمان وسلاح الإخلاص وسلاح الصدق، إلى ثورة جامحة هي ثورة العمل الجاد الهادف نحو مستقبل أفضل للجزائر، أما الكلام فليس له وجود في قاموس الجزائريين الأحرار.
طالع الحلقة الثانية :
ذكريات كويتية على مائدة أمازيغية غداة تحرير الجزائر
يتبع لاحقا ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 98


تواصل مع تراثنا
