
أغلى ما يملك الأنسان ذكرياته …
أنها ذخيرته التي يخلد إليها في حياته الوجدانية .. بها يطمئن باله ، وفي مجالها يمرح خياله ..فهي لنفسه أنس ، وهي لروحه متاع ..
—————————————–
*تحيط بي هذه الاثار والتذكارات فكأني استعيد رحلاتي الغابرة في عالم الماضي .
* لاعجب في أن يغدو الماضي جميلاً، فهو ذاهب لا أوبة له ولا مرد .
*أنا معترف بأني أحد أولئك الذين يخصون الماضي وذكرياته بالحظ العظيم من التقدير والاهتمام .-
—————————————
من لا ذكريات له في ماضيه ، كان في حاضره تائه الذكر ، شريد الوجدان !
هذه الذكريات مرآة الماضي ، بل زبدة ما فيه من كائنات وأحداث ..

ومن طبيعة الذكريات مرآة الماضي ، بل زبدة ما فيه من كائنات وأحداث ..
ومن طبيعة الماضي أن يجلو لك صفحته ناصعة ، ترى فيها ما هو جميل محبب ، ولو كان في حينه غير محبب ولا جميل ..
هذا الماضي يحرص دائما على أن يريك ما سلف من شأنك طيباً رائعاً وإن كنت قد لقيت من خطوبه ما لقيت ، وكابدت من شره جساماً من الأهوال
لا عجب في أن يغدو الماضي جميلاً، فهو ذاهب لا أوبة له ولا مرد ، واتصال له بالزمن السائر من بعد ، فنحن نتمثل غيبته ، ونأمن جانبه ، وذلك نستشعر له عاطفة من الإعزاز والتكريم ، ونجد له في أعماق نفوسنا نوازع الحنين !
إننا في حاضرنا نمحو ما جناه الماضي علينا ، أو إننا نغفر لهذا الماضي سيئاته التي أسلفنا الينا ، فللزمن ناصر تصهر الأحقاد، فتصفو النفوس ولا تلبث ان تجنح إلى صفح وغفران ..
بيد أن المرء لا يمنح الماضي هذه الهبة الكريمة من المسالمة ، إلا إن استيقن أن ذلك الماضي لا سبيل له إلى الرجوع .. فلو توقع إيابه لما تعلق به ، ولما صبت نفسه إليه ، ولما غفر ما قدمت يداه من آثام .
إذ عاد الماضي عادت معه سيئاته ، تنفض عنها أكفانها ، وتعلو بهاماتها ، وتكشف عن انيابها المسنونة ..وهيهات أن يقع ذلك منا موقع الرضا والترحاب !
و لكننا نؤمن بأن ذلك الماضي عهد مضى وانقضي ،و أمس ادبر وتولى ، فلا ضير علينا أن نذكره بالخير ، وان نوليه جانباً من الإشفاق …ولعلنا نحس ميلاً دفيناً إلى أن نعزو المحامد إليه .ونلتمس المعاذير له ، ونتفنن في تسويغ ما ساءنا من تصاريفه ، وتهوين ما نابنا من جرائره مادام الماضي قد انقطع عنا ، فهو حقيق بأن نسبل على ذنبه أستار المغفرة …مادام الماضي غير عائد إلينا ، فهو خليق منا بأن نطوي له نفوسنا على تعلق وحنين !

وإن التذكارات المادية هي اقوى أركان الماضي وأقوم دعائمه ، فهي تثير الذكريات من مراقدها ، و هي تجسمها وتبعث الحياة فيها على نحو شائق مستعذب .
ولقد عرف الناس لهذه التذكارات اثرها البالغ، فكل امريْ يقبل عليها قلت أو كثرت ، ويعتز بها ، غلت أو رخصت ، ويستكثر منها ما وسعه أن يستكثر .
وليست تقوم هذه التذكارات بما تقوم به الأشياء في سوق الحياة ، فان تقويمها إنما يكون بما تثير من ذكرى وما توحي به من حال ، فقد يكون التذكار صورة على أي نحو ، و قد يكون طرفة في أي مظهر ، و قد يكون قصاصة من ورق أو بقية من قلم ، أو ما دون ذلك من عامة الأدوات والأشياء .

ورب تذكار هو أهم ما يملك المرء من طرف وتحف ، كان هو الفائز بالنصيب الأوفر من الاعزاز ، بل لقد يبلغ عند صاحبه مبلغ التقديس بدلا منه ، لما نزل عنه ، ورضى به بديلاً .
وأنا معترف بأني أحد أولئك الذين يخصون الماضي وذكرياته بالحظ العظيم من التقدير والاهتمام ، واني لا آلو جهداً في الاحتفاظ لنفسي بما يبعث على الماضي ويثير ما فيه من ذكريات .
في صومعتي التي اخلو فيها إلى كتبي و أقلامي ، وأوراقي ، شكول من الأثار و التذكارات ، لكل منها في قلبي مكانته والكثير منها جمعت شتاته من مختلف الأصقاع التي كنت أجوس بها لمحض الزيارة أو للاستشفاء .
تلك الآثار والتذكارات تمثل ادوار متعددة من حياتي الخاصة ، وإني لتقع نظراتي عليها من حجرة مكتبي الضيقة ، فيخيل إلي انها تختزل العهود ، وتختصر الأزمان ، وتداني بين الأصقاع ، وانها تريني ذلك كله مضغوطاً مدمجاً يبعث الماضي امام عيني حياً في اية ساعة أريد .
ما أقربها شبهاً بتلك البلورة التي تستطيع أن تلم ما تشعث من شعاع الشمس فتركزه في مكان محدود هو ملتقي النور .
تحيط بي هذه الاثار والتذكارات فكأني استعيد رحلاتي الغابرة في عالم الماضي ، قريبه وبعيده ، وأجدني اسيح فيه على نحو جديد ، لأني أتصوره بعين اليوم الراهن ، وأنتقل إليه على أجنحة من يال الحاضر .
وإن هذه الرحلات التي اقوم بها ، وانا ساكن في صومعتي لهي اطيب رحلاتي ، وأوفرها دعة وطمأنينة ، فقد برئت من التكاليف ،وسلمت من المشاق !
لاحقائب متاع تعباً، ولا جوازات سفر تهيأ ، ولا جمارك أخوض غمراتها على كره ، ولا مركبات أتنقل بها غير آمن .
وأشعر دائماً بأني أجدد بهذه الرحلات حياتي الراتبة ، وأذهب بها ما يعتريني من سأم ، وأبث بين جوانحي روحا من الحركة و الطواف .
بارك الله في تلك الآثار والتذكارات ، سجينة ..ولكنها تثير الانطلاق.. مقيمة ، ولكنها أبداً على سفر .
كتبها الأديب المصري الروائي
الاستاذ محمود تيموربك
(1894 – 1973م)
نقلا عن :
” مجلة الاثنين والدنيا / العدد 738 -17 من ابريل 1950 م “
من انتقاءات د.محمد الشيباني
نشرت في تراثنا العدد43 فبراير 2011
مقالات ذات علاقة:

النقود القديمة وتطورها عبر التاريخ

عوالم سفلية تحت الأرض في اكتشافات أثرية تركية

الوجيه عبداللطيف العثمان يداوي الفقراء بالطب البديل الشعبي

إكرام الضيف ثلاثة أيام عادة لا مناص منها عند البدو - الحلقة التاسعة

قرَّاء أميركا يتصدرون زوار موقع مركز المخطوطات فالكويت ثم السعودية

