• Post published:

الحلقة الثانية والأخيرة

أدب الرحلات .. تأملات روحية وحضارية

 

محمد أحمد ياجي وحرمه المسلمة الفرنسية الأصل فيفيان أمينة ياجي
محمد أحمد ياجي وحرمه المسلمة الفرنسية الأصل الكاتبة فيفيان أمينة ياجي

 

تراثنا  –  أ.م .د / محمد أحمد عنب * :

 

د . محمد أحمد عنب ج جامعة الفيوم
د. محمد أحمد عنب

تُعَدّ فيفيان أمينة ياجي من الشخصيات المميّزة التي قدّمت في كتاباتها عن الحج نموذجًا لافتًا في أدب الرحلة الحديث، إذ لم يقتصر تناولها لهذه الشعيرة على وصف المناسك أو تسجيل المشاهدات العابرة.

 

بل تجاوزه إلى بناء رؤية روحية وحضارية عميقة للحج، بوصفه تجربة إيمانية وإنسانية جامعة، وتزداد خصوصية هذه الكتابات عند استحضار سيرة صاحبتها؛ فهي فرنسية المولد، اختارت الإسلام عن بحث واقتناع، ثم عاشت في السودان واندَمَجت في فضائه الثقافي والعلمي، مما منح تجربتها في الحج بُعدًا مركّبًا جمع بين التأمل الذاتي، والوعي الحضاري، والانتماء الإسلامي الحي. ومن هنا تكتسب رحلتها إلى الحج أهمية خاصة.

 

 

فيفيان أمينة ياجي - يرحمها الله
فيفيان أمينة ياجي – يرحمها الله

في “الحلقة الثانية” والأخيرة ، تسلط تراثنا الضوء على رمزية الحج والقراءة الروحية للحج ورمزيته والناحية الأدبية فيه عند فيفيان أمينة ياجي : 

 

الحج قديما
الحج قديماً

 

رمزية الحج :

 

من أبرز الجوانب التي تكشف خصوصية تجربة فيفيان أمينة ياجي في الكتابةعن الحج تأملها في رمزية الإحرام وما يتصل به من معاني التجرد والمصير الإنساني، فهي تشير إلى أن لباس الإحرام يوقظ في النفس صورة الكفن، وأن الانتقال إلى أداء الحج يبعث شعورًا يشبه مفارقة الإنسان لشواغله الدنيوية واستعداده للوقوف بين يدي الله ، ولا يبدو هذا الفهم بعيدًاعن المعاني التي أبرزتها الدراسات المقاصدية للحج، إذ تؤكد أن الإحرام بما يفرضه من ترك للزينة ومظاهر الترف يرسخ معنى الامتثال، ويجسد حالة من التجرد تذكّر الإنسان بحقيقته ومآله، ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن ياجي قد التقطت، بحس أدبي وتأمل روحي، معنى عميقًا حاضرًا في التصور الإسلامي للحج، يتمثل في كونه مناسبة يتجدد فيها وعي الإنسان بفنائه وبوقوفه منفردًا أمام الله.

 

 

الوقوف في عرفة قديما

 

قراءة روحية :

 

ويمتد هذ  المعنى في قراءتها إلى مشهد عرفة، بما يحمله من إيحاءات روحية متصلة بالآخرة؛ فالحشود المتجردة، والمشهد الجامع، والانفصال المؤقت عن الحياة اليومية، كلها تجعل الحج شبيهًا بتمرين روحي على يوم الحشر، وهذا التأويل يلتقي مع ما تؤكده الدراسات المقاصدية من أن الحج يغرس في النفس تعظيم الشعائر، ويقوي مراقبة الله، ويعيد تربية المسلم على الانضباط والطاعة والصبر، وعلى هذا الأساس، لا يظهر الحج في رؤية ياغي بوصفه راحة روحية مجردة، بل بوصفه مجاهدةً للنفس أيضًا، فالحاج يترك ما ألفه من زينة وراحة، ويتحمل المشاق، ويربط لسانه وسلوكه وانفعالاته، ويعيد تشكيل أخلاقه في ضوء العبادة، وتؤكد الدراسات الشرعية هذه الدلالة حين تشير إلى أن من ثمار الحج اكتساب الصبر، ومجاهدة النفس على الطاعة، والابتعاد عن المعاصي، والعودة من الحج وقد تنقّى الإنسان من ذنوبه، فضلًا عن التخلق بالجود والكرم والبذل ومن هنا، فإن الموت في نص ياغي لا يبدو باعثًا على الفزع، بل طريقًا إلى التطهر، ومعنى من معاني التصفية الداخلية، بما يجعل الحج تجربةً روحيةً وأخلاقيةً متكاملة لا تقتصر على قداسة المكان، بل تمتد إلى إصلاح الإنسان من الداخل(4).

الأهمية الحضارية :

 

 الأهمية الحضارية والأدبية لرحلة فيفيان أمينة ياجي: تتجلى في كونها لا تقدم وصفًا خارجيًا لشعيرة الحج بقدر ما تقدم شهادةً حيّة من الداخل، صاغتها امرأة لم تدخل هذا العالم بوصفها زائرة منبهرة بالمشهد الشرقي، بل بوصفها باحثةً وصلت إلى الإسلام عن قناعة فكرية وتجربة روحية عميقة، ثم دخلت إلى الحج وهي مشبعة بمعرفة سابقة بالنصوص وشوقٍ إلى المعنى الذي اهتدت إليه بعد رحلة طويلة من البحث. ومن هنا اكتسبت مشاهداتها قيمة خاصة، لأنها تكشف كيف يبدو الحج في عين من اكتشف الدين أولًا بالعقل والقراءة، ثم عاد ليلقاه في صورته الحيّة وسط الطواف والسعي وعرفات ومنى، فتداخل في كتابتها التأمل الذاتي مع الوعي الحضاري، والتجربة الإيمانية مع دقة الملاحظة.

 

 

الخديوي يستعقبل محمل الكسوة الشريفة
الخديوي يستعقبل محمل الكسوة الشريفة

 

ولم تكتفِ ياجي بتسجيل مشاهد المناسك والمشاعر المقدسة، بل تجاوزت ذلك إلى تتبع المواضع التاريخية والمعالم المرتبطة بالسيرة النبوية، من مساجد وآبار وطرق ومواضع غزوات، حتى غدت رحلتها أشبه بعبور في الذاكرة الإسلامية كلها، تصف المكان بوصفه جغرافيا حية للتاريخ والوجدان معًا، وتزداد قيمة هذه المشاهدات من الناحية الثقافية والحضارية لأن ياجي كانت جسرًا حيًا بين عالمين: العالم الأوروبي الذي خرجت منه، والعالم الإسلامي الذي آمنت به وعاشت في فضائه، ولذلك فإن كتابتها لا تنقل إحساس مؤمنة فحسب، بل تقدم أيضًا صورة الحج إلى قارئ غير عربي أو غير مسلم بلغة الخبرة الصادقة لا الجدل النظري، فتتحول شهادتها إلى نص من نصوص التعريف الحضاري بالإسلام، منبثق من المعايشة لا من التصور المجرد.

 

 الناحية الأدبية :

 

أما من الناحية الأدبية، فإن نصها يكتسب تميزه من كونه يكتب الحج بوصفه رحلة حسية وروحية في آنٍ واحد؛ فالوصف عندها لا يقف عند حدود ما يُرى، بل يمتد إلى ما يُحسّ ويُستبطن، فتغدو الكتابة سجلًا للمشاهدة، ومرآةً للخشوع، ودفترًا لتحولات النفس وهي تنتقل من العادة إلى العبادة، ومن التعدد الأرضي إلى الوحدة الإيمانية. وبهذا المعنى يندرج كتابها ضمن الرحلات التي تتجاوز وظيفة الإخبار إلى وظيفة الشهادة الحضارية، حيث لا تكون الرحلة مجرد انتقال جغرافي، بل بناءً معرفيًا يربط المكان بالتاريخ والشعور والتجربة، الأمر الذي يجعل كتاب ياجي امتدادًا حديثًا لتقليد الرحلات الحجية في التراث الإسلامي، ولكن بصوتٍ نسائي معاصر، ووعيٍ ثقافي متعدد الروافد، وحسٍّ أدبي رفيع.

 

وأخيرًا تغدو رحلة فيفيان أمينة ياجي إلى الحج نصًّا يتجاوز حدود الرحلة إلى شهادةٍ إنسانيةٍ وروحيةٍ عميقةـ فقد استطاعت أن تحوّل المشاهدة إلى وعي، والتجربة إلى كتابةٍ نابضةٍ بالدلالة والجمال. ولهذا اكتسبت رحلتها قيمةً أدبيةً وحضاريةً كبيرة.

 

الهوامش

 

4 – فيفيان أمينة ياغي، الحج المقدس: القيام بالحج إلى مكة المكرمة سنة 1963. ترجمة: محمد زكي المحاسني، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2011م.

 

 

طالع الحلقة الأولى :

 

الفرنسية المسلمة فيفيان أمينة ياجي وتأملات في رحلة الحج 

 

 

* أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية المساعد
كلية الآثار – جامعة الفيوم

 

 

نقلاً عن تراثنا – العدد 99

أنقر لمطالعة العدد 

 

 

غلاف مجلة تراثنا في عددها 99 الصادر في ربيع الأول 1448 - سبتمبر 2026م

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

 

تواصل مع تراثنا 

 

 

اترك تعليقاً