الحلقة الأولى
أدب الرحلات .. تأملات روحية وحضارية

تراثنا – أ.م .د/ محمد أحمد عنب * :

تُعَدّ فيفيان أمينة ياجي من الشخصيات المميّزة التي قدّمت في كتاباتها عن الحج نموذجًا لافتًا في أدب الرحلة الحديث، إذ لم يقتصر تناولها لهذه الشعيرة على وصف المناسك أو تسجيل المشاهدات العابرة.
بل تجاوزه إلى بناء رؤية روحية وحضارية عميقة للحج، بوصفه تجربة إيمانية وإنسانية جامعة، وتزداد خصوصية هذه الكتابات عند استحضار سيرة صاحبتها؛ فهي فرنسية المولد، اختارت الإسلام عن بحث واقتناع، ثم عاشت في السودان واندَمَجت في فضائه الثقافي والعلمي، مما منح تجربتها في الحج بُعدًا مركّبًا جمع بين التأمل الذاتي، والوعي الحضاري، والانتماء الإسلامي الحي. ومن هنا تكتسب رحلتها إلى الحج أهمية خاصة.

النشأة والميلاد
وُلدت فيفيان أمينة ياجي Viviane Amina Yagi في مدينة لاروشيل الفرنسية سنة( 1930م،- ت 2011م) نشأت في أسرة كاثوليكية محافظة وفي بيئة أوروبية كان لها أثرها في تكوينها المبكر، غير أن اهتمامها بالقراءة والبحث في الأديان قادها، منذ وقت مبكر، إلى التعرف على الإسلام، ثم اعتناقه عن اقتناع ، وفي باريس تعرّفت إلى الطالب السوداني محمد أحمد ياجي (1955 – 2011م) الذي كان قد قدم إلى فرنسا لمتابعة دراسته للدكتوراه في جامعة السوربون، ومع تطور العلاقة بينهما، تزوجته وانتقلت معه إلى السودان، حيث وصلت إلى أم درمان سنة1955م، قبيل استقلال البلاد.

ثم تنقلت معه، بحكم عمله الدبلوماسي سفيرًاً للسودان، بين عدد من العواصم، منها واشنطن، ونيويورك، وبغداد، وجدة، والكونغو. ومع ذلك، ظل السودان يمثل في وجدانها أكثر من مقر إقامة، إذ ارتبطت به ارتباطًا عميقًا، واندمجت في مجتمعه اندماجًا واضحًا على المستويات الأسرية والعلمية والوجدانية، وقد استقرت فيه حتى وفاتها في الخرطوم في 6 ديسمبر2011م، بعد أن خلّفت عددًا من المؤلفات والدراسات والترجمات التي أسهمت في ترسيخ حضور اسمها في مجالات الأدب، والدراسات الإسلامية، والتاريخ السوداني، والحكاية الشعبية1.
اعتناقها الإسلام وتحول خطير في حياتها
لم يكن اعتناق فيفيان أمينة ياجي للإسلام قرارًا عابرًا ولا نتيجة تأثير اجتماعي طارئ، بل جاء نتيجة رحلةٍ داخلية طويلة من البحث والدراسة، ففي هذه المرحلة اتجهت إلى دراسة اللغة العربية والحضارة العربية والإسلامية في مدرسة الدراسات الشرقية بباريس، ومع اتساع قراءاتها الفلسفية والدينية، وقعت بين يديها سيرةٌ للنبي محمد عليه الصلاة والسلام ، فكان لها أثر عميق في نفسها، وشكّلت لديها ما وصفته المصادر بأنه “فتحٌ روحي” هزّ كيانها، وعندئذ انتهت إلى حسم سؤالها الداخلي بشأن اعتناق الإسلام، فدخلت فيه عن اقتناع عقلي وروحي معًا، وبعد ذلك تزوجت من الشاب السوداني ياجي، واتخذت اسم “أمينة” اسمًا ثانيًا لها.
ومنذ ذلك الحين ارتبط إسلامها بتعلّم العربية بوصفها مدخلًا إلى فهم الدين الذي اختارته، وذلك قبل زواجها وانتقالها اللاحق إلى السودان، كما تلقت دروسًا مسائية في مسجد باريس، وهناك تعرّفت إلى عدد من المستشرقين والأساتذة الفرنسيين المتخصصين في دراسة الإسلام، من بينهم الفرنسي لويس ماسينيون Louis Massignon (1883-1962م)، وريجيس بلاشير Régis Blachère (1900-1973م). وتُبيّن هذه المرحلة أن صلتها بالثقافة العربية الإسلامية لم تكن صلة عابرة أو سطحية، بل تأسّست على مسار طويل من البحث المعرفي والتجربة الروحية2.
مسيرتها العلمية والأكاديمية

تُعدّ فيفيان أمينة ياجي من الشخصيات الأكاديمية البارزة التي جمعت بين البحث العلمي والتدريس والإنتاج الثقافي، فقد نالت درجتي الماجستير والدكتوراه في علم الاجتماع، وعملت أستاذةً بجامعة أم درمان الإسلامية، ثم تولت تدريس الأدب الفرنسي والدراسات الإسلامية في جامعة الخرطوم، كما شاركت في إعداد وتقديم برامج ثقافية في القسم الفرنسي بالإذاعة السودانية، واتسم إنتاجها العلمي بالتنوع، وتوزعت اهتماماته بين التاريخ السوداني، والدراسات الإسلامية، والأدب الشعبي، والترجمة، وأدب الرحلة. وقد أولت عناية خاصة بتاريخ السودان، ولا سيما تاريخ المهدية، وهو ما يظهر في كتابها عن الخليفة عبد الله التعايشي، كما تناولت تاريخ سلاطين دارفور ومقاومتهم في كتاب سلاطين الظل.

وامتد اهتمامها كذلك إلى الحكاية الشعبية السودانية، فعملت على جمع عددٍ منها وترجمته إلى الفرنسية في أعمال مثل أحاجي درمان والفارس الأسود، ولم يتوقف نشاطها العلمي عند هذه المجالات، بل شمل أيضًا الدراسات الإسلامية في مؤلفات مثل أصحاب الرسول · والفقه الإسلامي، وأدب الرحلة في كتاب الحج المقدس، إلى جانب الترجمة والدراسات المقارنة في الأدب الإفريقي الفرنكفوني. وبذلك تبدو مسيرتها العلمية مسيرةً متعددة الجوانب، تركت أثرًا واضحًا في أكثر من حقل معرفي.
كتابها “الحج المقدس” ومكانته في أدب الرحلة
تُعدّ تجربة الحج في سيرة فيفيان أمينة ياجي من المحطات المهمة في حياتها الفكرية والروحية، إذ لم تبقَ في حدود الخبرة الشخصية، بل انتقلت إلى مجال الكتابة والتوثيق. فقد دوّنت مشاهداتها وانطباعاتها في كتابها “الحج المقدس : القيام بالحج إلى مكة المكرمة سنة 1963م”، مقدمةً نصًا يجمع بين السرد والتأمل والتسجيل المباشر للتجربة، وتنبع أهمية هذا الكتاب من أنه لا يتناول الحج من زاوية أداء المناسك وحدها، بل يقدّمه بوصفه تجربة روحية وإنسانية وثقافية تتجاوز الجانب الشعائري إلى أبعاد أوسع في الوعي والإحساس والرؤية، كما يُظهر الكتاب قدرة صاحبته على الإفادة من تجربتها الشخصية في بناء نص يزاوج بين الوصف والملاحظة والتأمل، وهو ما يُضفي عليه بُعدًا أدبيًا ووثائقيًا في آنٍ واحد، ويجعل من رحلتها شهادةً حيّة على أثر المكان المقدس في النفس، وعلى قدرتها على تحويل التجربة الإيمانية إلى كتابة تجمع بين الوصف الدقيق والوعي التاريخي والوجداني.

ومن أبرز من يميز رؤية فيفيان أمينة للحج بُعدُها الروحي الواضح، فهي لا تنظر إليه بوصفه رحلةً تعبديةً تؤدَّى فيها المناسك فحسب، بل بوصفه تجربةً وجوديةً يتخفف فيها الإنسان من عاداته اليومية، ومن مظاهر الترف والوجاهة الاجتماعية، ومن كثير من الروابط المادية، ليقف أمام معنى أسمى يتصل بحقيقة العبودية ومراجعة الذات. ويجد هذا الفهم ما يعززه في الدراسات الشرعية المعاصرة؛ إذ يقرر بحث «المقاصد الشرعية للعبادات» أن من أول مقاصد الحج تحقيق العبودية لله والتقرب إليه، وأن هذا المعنى يظهر في التزام الحاج بأحكام الإحرام، وما يقتضيه ذلك من ترك الزينة والترف امتثالًا لأمر الله. ومن هنا تكتسب قراءة ياجي أهميتها؛ إذ استطاعت أن تلتقط، بحسّ أدبي مرهف، ما ينطوي عليه الحج من تربية على الطاعة، ومن إعادة تشكيل لعلاقة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالله. كما تبرز في نصها دلالة الحج بوصفه فضاءً مكثفًا للذكر والدعاء؛ فالتلبية ليست عندها مجرد ألفاظ تتكرر، بل تعبير عن حضور القلب واستجابته، والوقوف بعرفة ليس مجرد مرحلة زمنية في أداء المناسك، بل لحظة تبلغ فيها التجربة الروحية ذروتها. وهو ما ينسجم مع ما تؤكده الدراسات الشرعية من اقتران أعمال الحج بالذكر في مختلف مراحلها، ومن المكانة المركزية التي يحتلها يوم عرفة في البناء الروحي لهذه الشعيرة3.
* أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية المساعد
كلية الآثار – جامعة الفيوم
الهوامش :
1 عون الشريف قاسم، موسوعة القبائل والأنساب في السودان وأشهر أسماء الأعلام والأماكن، مج6، ص2596.
2 مكي بشير مصطفى البدري، من باريس إلى أم درمان: فيفيان أمينة ياجي، حياتها وأعمالها، ص43.
3 حماد محمد إبراهيم منصور، المقاصد الشرعية للعبادات، ص189-238.
يتبع لاحقا ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 99


تواصل مع تراثنا
