الحلقة التاسعة
مباحث علمية نقدية في الأدب واللغة والنحو

تراثنا – د. محمد بن إبراهيم الشيباني * :

أبدأ أولاً بالترحم على إخواني أ.د. محمد التونجي وأ.د. أحمد بكري داعياً لهما الله بالعفو والمغفرة. أما الثانية، فقد عرض علي أخي د. أحمد بكري قبل وفاته بأشهر أن أطلع على هذا الكتاب “درة الغواص في أوهام الخواص ” تصنيف القاسم بن على الحريري – ت 516 هجري” وأقرأه لتقدير مدى صلاحيته للطباعة والنشر .
فقرأته من الجلدة إلى الجلدة كما يُقال ، فأصلحت وقوّمت بعض النقوصات الطباعية والعلمية في المتن والهامش، وكان ما كان، وباشرنا نشره في حلقات في مجلة تراثنا تمهيداً لطباعته وإصداره بعد ذلك والله المستعان.
في هذه الحلقة التاسعة، نستأنف ما سبق سطرناه بشأن (منهج الحريري في درته عن أوهام الخواص ) وبيّنا حرصه على تنقية اللغة العربية وسلامتها وتنقيتها من شوائب اللحِن الذي استشرى بين الخواص فضلاً عن العوام ..وجاء في النص الآتي :
الوهم في ” التتابع “

وقولُهم في معنى مُتَتابع: مُتَواتِرٌ فَيوْهَمون فيه، لأنَّ العربَ تقول: جاءتِ الخيلُ متتابعةً؛ إذا جاءَ بعضُها في إثرِ بعضٍ بلا فَصْلٍ ، وجاءتْ متواترةً؛ إذا تلاحَقَتْ وبينَها فصلٌ، ومنه قولُهم: فعلَه تاراتٍ، أيْ حالاً بعدَ حالٍ، وشَيئًا بعدَ شيء.
وجاء في الأثر أن الصحابةَ، رضي الله عنهم، لّما اختلفوا في المَوْءُودةِ قال لهم عليٌّ رضي الله عنه: “إنَّها لا تكونُ مَوءودةً حتى تأتيَ عليها التاراتُ السَّبْعُ”، فقال له عمرُ رضي الله عنه:”صدقْتَ أطالَ الله بقاءك”، وكانَ أولَ مَن نطقَ بهذا الدعاء.
وأرادَ عليٌّ بالتاراتِ السبع [طقاتِ الخِلَق السَّبْعِ] المُبَيَّنَةِ في قولهِ تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ..) المؤمنون (أية14).. ۚ{ يعني سبحانَه وِلادَتَه حيًّا. فأشارَ عليٌ- كرَّمَ الله وجهَهُ – إلى أنَّهَ إذا اسْتَهَلَّ بعدَ الوِلادةِ ثم دُفِنَ، فقد وُئِدَ، وقصَدَ بذلك أَنْ يدفَعَ قولَ مَن تَوَهَّمَ أنَّ الحاملَ، إذا أسقَطَتْ جنينَها بالتَّداوي، فقد وَأَدَتْهُ.
وإنَّما يؤيدُ ما ذكرناهُ من معنى التَّواتُرِ قولُه تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ) المؤمنون (آية 44) ، ومعلومٌ ما بينَ كلِّ رسولينِ منَ الفَتْرَةِ وتَراخي المُدَّة.
ورَوَى عبدُ خيرٍ قال: قلتُ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ الله عنه: “إنَّ عليَّ أياماً من شهرِ رمضانَ، أيجوزُ أنْ أقضِيَها متفرقَةً؟”. قالَ: اقْضِها إنْ شئتَ متتابعةً، وإن شئتَ تَتْرى». فقلتُ: “إنَّ بعضَهُم قال: لا تُجْزئ عنك إلا متتابعةً”. فقالَ: بلى تُجْزئ تَتْرَى، لأنه عزَّ وجلَّ قال:
(فَصِيامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَيْنِ) البقرة (آية 184) .. ولو أرادَها متتابعةً لبيَّنَ التتابُعَ، كما قال سبحانَه: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) المجادلة (آية44) .
وعندَ أهلِ العربية أنَّ أصلَ تَتْرى: وَتْرى، فقُلِبَت الواوُ تاءً، كما قُلِبت في تُخَمة وتُهَمة وتُجاهٍ، لكونِ أصلها من الوَخامة والوَهْم والوَجه.
ويجوزُ أن تنوَّنَ تَتْرًى [4/أ]، كما تنوَّنُ أَرْطًى، ولا تُنَوَّنُ مثلُ سَكْرَى، وقد قُرئ بِهما جميعاً.
وحكى أبو بكرٍ الصُّوليُّ قال: كتبَ أحدُ الأدباءِ إلى صديقٍ له، وقد أبطأ جوابَه: “كتبتُ إليك فيما أجبتَ، وتابعتُ فما واتَرْتَ، وأَضْبَرْتُ فما أَفْرَدْتَ، وجمعتُ فما أوحَدْتَ”. فكتبَ إليه صديقُه: “الجفاءُ المستمرُّ على الأزمان أحسَنُ من بعضِ الخِطاب للإخوان”.
الوهم في ” أزف “
وقولهم: “أزِفَ وقعتُ الصَّلاة”، إشارةً إلى تضايُقِ الوقتِ، ومشارفةِ تصرُّمهِ، فيحَرِّفونَه عن مَوضعهِ، ويعكسونَ حقيقةَ المعنى في وَضْعهِ، لأنَّ العربَ تقولُ: أزِفَ الشيءُ بمعنى دنا واقتربَ، لا بمعنى وقعَ وحضر، لأن الله تعالى سَمَّى الساعةَ “آزِفَةً”، وهي مُنْتَظَرةٌ لا حاضرةٌ، وقالَ عزَّ وجلَّ فيها : (أَزِفَتِ الآزِفَةُ) النجم (آية 57) ، أي دَنا ميقاتُها، وقرُبَ أوانُها، كما صرَّحَ جلَّ اسمُه بهذا المعنى في قوله: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) القمر (آية 8) .
والمراد بذكرِ اقترابها التَّنبيهُ على أنَّ ما مضَى من أمدِ الدنيا أضعافُ ما بقيَ منه، ليتَّعِظَ أولو الألباب به ، وممّا يدلُّ أيضاً على أنَّ “أزِفَ” بمعنى اقتربَ قولُ النابغة: [كامل]
أزِفَ التَّرَحُّلُ، غيْرَ أنَّ رِكابَنا
لمّا تَزُلْ بِرِحالنا وَكأنْ قَدِ
[4/ب] فتصريحهُ بأن الرِّكابَ مازالتْ، يَشهدُ بأنَّ معنى قولهِ “أزِفَ الترحُّلُ”(28): اقتربَ. إذ لو كان قد وقع لسارتِ الركابُ، ومعنى قولهِ: “وكأَنْ قدِ”، أي وكأنْ قد سارت، فحذَفَ الفعلَ لدلالةِ ما بَقِيَ على ما أُلْقِيَ. ونبَّهَ بـ “قَد”على شِدَّةِ التوقُّع، وتَداني الإيقاعِ له. والعربُ تقولُ في كلِّ ما يُتَوَقَّعُ حلولُه ويُرْصَدُ وقوعُه: “كأنْ قدْ”، أي كأنْ قد وُجِد كَوْنُه وأظلَّ وقوعُه.
الوهم في ” أفعل ” للتفضيل
وقولُهم: “زيدٌ أفضَلُ إخوتِه”، فيُخْطِئون فيه؛ لأنَّ “أفعلَ”الذي للتَّفضيل لا يُضافُ إلا إلى ما هو داخلٌ فيه، ومُتَنَزَّلٌ منزلةَ الجُزءِ منه،و”زيدٌ” غيرُ داخلٍ في جملةِ إخوته.
ألا تَرى أنه لو قالَ لك قائلٌ: مَنْ إخوةُ زيدٍ؟ لعدَدْتَهم دونَهُ؟ [فلما خرجَ عن أن يكونَ داخلاً فيهم امتنعَ أن يُقالَ: “زيدٌ أفضلُ إخوتهِ”]، كما لا يقالُ: “زيدٌ أفضلُ النساء” لِتَمَيُّزهِ من جنسِهِنَّ، وخروجهِ عن أن يُعَدَّ في جُمْلتهن.
وتصحيحُ هذا الكلام أن يقالَ: «زيدٌ أفضلُ الإخوةِ، أو أفضلُ بني أبيه،» لأنه حينئذٍ يدخلُ في الجملة التي أُضيفَ إليها، بدلالةٍ أنه لو قيلَ لك: «مَنِ الإخوةُ؟ أَو مَن بَنو أبيهِ؟» لعَدَدْتَهُ فيهم، وأدخلْتَهُ معهم. [5/أ].
الوهم في ” تغشمر”

وقولهم في “تَغَشْمَرَ” لِمَن يأخُذُ الشيءَ بقوةٍ وغِلظةٍ: تغَشْمَرَ(33)، وهو متغشْرِمٌ، والصوابُ(34):تغشمَرَ، وهو مُتَغَشْمِرٌ، بتقديمِ الميمِ على الراء(35)، كما قالَ الراجزُ:
إنَّ لها لَسِائقاً عَشَنْزَرا
إذا وَنِيْنَ ساَعةً تَغَشْمَرا
ويُروى “عَشْوَزرا”، وكلاهُما. بمعنى الشَّديد، ومن كلامِ العربِ: “قد تَغَشْمَرَ السَّيلُ”، إذا أقبلَ بشدَّةٍ، وجَرى بحِدَّة.
الوهم في “التي واللتيا “
وقولُهم (في تصغيرِ “التي” “الْلُتَيّا” بضم اللام) ، فيقولون: بعدَ الْلُتَيّا والّتي، فيضُمُّونَ اللامَ الثانيةَ، وهو لحنٌ فاحشٌ وغلطٌ شائن؛ إذِ الصوابُ فيها “الْلَتَيّا” بفتح اللام، لأن العربَ خَصَّتِ “التي والذي” عندَ تصغيرِهما وتصغيرِ أسماءِ الإشارةِ، بإقرارِ فتحةِ أوائلِها على صِيغَتِها، وبأنْ زادَتْها ألفاً في آخرِها عِوَضاً عن ضَمِّ أولها، فقالوا في تَصغير الذي والتي: الْلّذَيّا والْلَتَيّا، وفي تصغيرِ ذاك وذلك: ذَيّاكَ وذَيّالِكَ. وعليهِ أنشَدَ ثعلبٌ: [طويل]
بِذَيّالِكِ الوادي أهيمُ، ولمْ أقُلْ
بِذَيالِكِ الوادي وذَيّاكِ مِن زُهْدِ
ولكنْ إذا ما حُبَّ شَيْءٌ تَوَلَّعَتْ
بهِ أحرفُ التَّصغيرِ مِن شدَّةِ الوَجْدِ
طالع الحلقة الثامنة :
دُرَّةُ الغَوّاصِ في أوهام الخواصِّ .. وغلطهم في استخدام كلمة “سائر”
يتبع لاحقا ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 99


تواصل مع تراثنا
