• Post published:الأثنين 25 ربيع الأول 1448هـ 7-9-2026م

تراث قرآني 

 

مخطوط قرأن قديم

 

تراثنا – بقلم / السيد عبد الصمد * :

 

صناعة المصاحف الشريفة أرقى وأشرف الصناعات العريقة التي عرفتها البشرية وترجع بدايات هذه الصناعة الراقية إلي القرن الأول الهجري قبل اختراع الطباعة حيث كانت زخرفة وتذهيب وتلوين المصحف تمثل ذروة الفن العربي وقتها.

 

 

السيد فتحي عبدالصمد
السيد فتحي عبدالصمد

 

ومع ظهور الطباعة في العالم أصبحت طباعة المصحف الشريف وسيلة رئيسية ومهمة جدا لتعليم القرآن الكريم وتلاوته و تحفيظه والعناية به وقد تجلى اهتمام الحكام بالمصحف الشريف عبر العصور الإسلامية من خلال مبادرات عظيمة لحفظه وجمع الآيات ونسخ المصحف وطباعته المصحف الشريف ويبرز هذا الحرص عبر العصور المختلفة .

 

  • طباعة المصحف الشريف في لم تكن سهلة في بدايتها خوفا من وقوع أخطاء طباعية.

  • الشيخ التميمي مفتى مصر يصدر فتوى جواز طباعة القرآن ووضع ختمه على المصحف.

  • الوالي علي باشا دفع بمخطوط القرآن للمطبعة وأمر بمراقبة آلات الطباعة للتأكد من طهارتها .

 

محمد علي باشا - يرحمه الله
محمد علي باشا – يرحمه الله

وظهرت خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر ثلاث طبعات من القرآن الكريم هي :

– طبعة البندقية وقد طبعت في روما سنة 1530م .

– طبعة هامبورغ وقد قام بنشر هذه الطبعة المستشرق الألماني هنكلمان سنة 1694م .

– طبعة بتافيا وهي من أعمال مدرسة الرهبان في بتافيا سنة 1698م .

 

ويبدو أن العرب المسلمين قد رفضوا طباعة المصحف في المطابع حتى عصر متأخر ، وفى مصر تولى محمد علي باشا -يرحمه الله – حكم مصر رسمياً في يونيو 1805م وذلك بعد مطلب الشعب والعلماء ليصبح مؤسس الأسرة العلوية والحاكم الذي يعرف بـمؤسس مصر الحديثة واستمرت فترة حكمه من 1805 م إلى 1848م أرسى من خلالها محمد على باشا قواعد الدولة المصرية الحديثة عبر إصلاحات واسعة في كافة المجالات وقد جعل اللغة العربية لغة التدريس في أغلب المدارس ووجه جزءًا كبيرًاً من جهوده إلى إحياء العلوم والآداب في مصر كما اهتم اهتماماً كبيراً بالقرآن الكريم .

طباعة أول مصحف طبع في مصر 

ويمثل اهتمام محمد علي باشا بالقرآن الكريم شروعه في أول تجربة لطباعة المصحف الشريف في مصر وتعد هذه التجربة علامة فارقة في تاريخ الثقافة والطباعة كونه أول مصحف مصري مطبوع وقد دعم محمد على باشا هذا الاهتمام بتطوير مطبعة بولاق الأميرية التي تعد نواة النهضة الثقافية في مصر .

 

التخوفات من طباعة القرآن

 

طباعة مصحف قديم

 

وكانت فكرة طباعة المصحف الشريف فكرة بعيدة عن مشاريع الطبع في مصر منذ تأسيس محمد على باشا لمطبعة بولاق الأميرية عام 1820م ، وتاريخياً لم تكن بداية طباعة المصحف الشريف في مصر سهلة كما يعتقد البعض وذلك خوفاً من احتمال وقوع خطأ في طباعة كلمات القرآن الكريم وعدم جواز ضغط آيات الله بالآلات الحديدية الحديثة .

توزيع القرآن على المدارس والأزهر 

 

حلقة علم في الأزهر بالقاهرة
حلقة علم في الأزهر بالقاهرة

وهذه المعارضة كانت أمرًا طبيعيًا أقرته ظروف وطبيعة الحياة في ذلك العصر العثماني فالطباعة فن جديد على البشرية ولم يكن العلماء قد عرفوا ماهيته بالضبط إلا إنهم سرعان ما استجابوا للتغيرات العلمية والثقافية التي أحدثتها المتغيرات العصرية الجديدة في العالم كله وداخل المجتمع وتقبلوا الأمر في النهاية ومع بداية عام 1832م بدأ محمد على باشا التفكير جدياً في طبع المصحف الشريف في عدة أجزاء لتوزيعها على طلاب المدارس والأزهر الشريف ويعد هذا المصحف أول مصحف مطبوع في مصر.

 

ونشرت مجلة الوقائع المصرية في 8 يناير 1832م ما يفيد بأن محمود أغا ناظر القلمخانة قدم عريضة لمجلس الجهادية التي تتبعها مطبعة بولاق وتفيد أنه سئل عن كمية ما يلزم لتلاميذ المدرسة من أجزاء القرآن الكريم وتمت الاستجابة من قبل ناظر الجهادية وكلف عمر أفندي ناظر المهمات بصرف ما يلزم للتلاميذ .

المفتي : الطباعة جائزة شرعاً

 

ودفع محمد علي باشا بمخطوط للقرآن الكريم إلى مطبعة بولاق ، ووافق العلماء على طبعه  ، ثم قام محمد علي باشا بتكليف حبيب أفندي بمطالعة آلات الطباعة للتأكد من طهارتها سنة 1833م تمهيداً لطباعة المصحف الشريف ، وأصدر الشيخ التميمي مفتي مصر فتواه بأن الطباعة جائزة شرعًا ، كما أمر بوضع خاتمه على المصحف ليكون بيعه وتداوله أمرًا مشروعًا ، وتم توزيع مصحف محمد على باشا المطبوع على المدارس والأزهر الشريف واستمر ذلك حتى وفاته .

 

إعدام طبعة قرآنية !

 

ويعتبر مصحف محمد على أول مصحف مصري وعربي مطبوع ، وتطور الأمر بعد ذلك لدرجة أن تأسست مطبعة خاصة بطباعة المصحف الشريف ضمن مطابع بولاق الأميرية بالقاهرة وقد تولى رئاسة مطبعة المصحف الشريف حضرة الأستاذ عبدالرحمن أفندي سنة 1845م ـ ورغم ذلك التطور الكبير الذي جرى في عصر محمد علي باشا لطبع المصاحف الشريف لكن تلك الطبعة كانت مليئة بالأخطاء ، أو بالأحرى بها مخالفات لعلم الرسمي العثماني للمصحف الشريف ، كما أن تلك العيوب التي جعلت والي مصر عباس حلمي الأول يصدر قرارًا بمصادرة كل المصاحف المطبوعة في عهد محمد على باشا، ومنع تداولها وإعدامها اعتماداً على توصية صادرة من علماء الأزهر الشريف في مايو عام 1853م لكن لم يتم حرق كل النسخ وإنما تم إيداعها في مخازن نظارة الداخلية.

مصاحف صودرت

 

طبعة مصحف قديم

 

وقد صل عدد المصاحف المصادرة حتى عهد الوالي محمد سعيد باشا إلى 269 مصحفاً ،  ولما أراد الوالي محمد سعيد باشا في عام 1855م توزيع مصاحف على تلاميذ المدرسة الحربية سأل علماء الأزهر الشريف عن وضع المصاحف المصادرة فأفتوه بجواز تصحيحها وتعديلها .

 

فقام الشيخ عبدالباقي الجاري بتصحيح 150 مصحفا حتى مارس 1858م ، وتم تصحيح 10 مصاحف أيضاً في إبريل من نفس العام وتصحيح 57 مصحفاً انتهي تصحيحهم في أغسطس من نفس العام .

 

كما تبين وجود 180 مصحفا منقولين عن المصاحف التي بها أخطاء ويملكها أحد الأعيان ويدعى الحاج عثمان بينما يملك شخصًا آخر اسمه الحاج حسن 26 مصحفًاً ، فأمر الخديوي بتصحيح كل النسخ الموجودة في مصاحفهم على نفقة الحكومة وتم توزيع مصاحف أخرى مصححة ومضبوطة على المدارس والأزهر الشريف .

 

وقد واصل حكام أسرة محمد على باشا مشوار طباعة المصحف الشريف في مصر لينالوا هذا الشريف الرفيع والثواب الكبير إيمانا منهم بأهمية طباعة المصحف الشريف بوصفه كتاب المسلمين الأول وتتجلى أهمية طباعة القرآن الكريم في نشر كلام الله تعالى وضمان وصوله لكل مسلم في أنحاء المعمورة مع الحفاظ على معانيه ودقته وسلامته من الأخطاء عبر طبعات موثوقة ومصححة . 

 

 

* شاعر وكاتب – رئيس نادى أدب شربين – مصر

 

 

نقلاً عن تراثنا – العدد 99

 

 

غلاف مجلة تراثنا في عددها 99 الصادر في ربيع الأول 1448 - سبتمبر 2026م

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

 

تواصل مع تراثنا 

 

 

 

 

اترك تعليقاً