الحلقة الأولى
مباديء لفهم التراث

تراثنا – التحرير :
عرف العرب في تاريخهم القديم الكتابة قبل الإسلام ، وظهرت النقوش في الوديان وعلى الجبال وعلى الصخور و الجلود وغيرها مما أوضحه الباحثون .

يقول الدكتور عبدالستار الحلواجي (1)لم تكن الكتابة شيئاً مجهولاً للعرب في جاهليتهم ، فإلى جانب النقوش التي عُثر عليها المنقبون في صحرائهم (2) والتي تؤرخ بعض ما قبل الإسلام ، مثل نقشي زيد وحران ، احتفطت لنا مصادر تاريخهم بأخبار متواترة عن قوم كانوا يعرفون الكتابة في الجاهلية ، كالذي يرويه البلاذري من أن الإسلام دخل في قريش سبعة عشر رجلاً كلهم يكتب ، وإن الإسلام جاء وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون ، وقد أحصاهم فبلغوا أحد عشر رجلاً ، على رأسهم سعد بن عبادة و أبي بن كعب وزيد بن ثابت .
وكما تحدثت كتب التاريخ العربي (3) عمن كانوا يعرفون الكتابة في العصر الجاهلي ، كذلك ذكرت أن بعض الشعراء كانوا يكتبون قطعاً من اشعارهم ويرسلونها إلى قبائلهم تحمل إليهم الضباب حيناً ،وتصف لهم أحوال الأسر حيناً آخر ، وقدرهم من غزو الغزا وطمع الطامعين في بعض الأحيان .
الروم والفرس

وكانت أكثر الآثار تحمل كتابات العرب كانت في الأطراف الشمالية للجزيرة العربية ، حيث كان الاتصال وثيقاً بالحضارة الفارسية والرومية ،ومما يذكر أن عديّ بن زيد العبادي المتوفى سنة (25 ق .م) حين نما وأينع طرحه أبوه في الكتّاب حتى حذق العربية ، ثم دخل ديوان كسرى ، وهو أول من كتب بالعربية ، وهذا يدل على وجود بعض الكتاتيب في الجاهلية يتعلم فيها الصبيان الكتابة الشعر أيام العرب .
ويشرف على الكتاتيب معلمون ذوو مكانة رفيعة أمثال أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية من عبد شمس ،و بشر بن عبدالله السكوني ، وأبي قيس بن عبد مناف ، وعمر بن زرارة “الكاتب ” وغيرهم .
الكتابة عند الأوس والخزرج
وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية ، وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول ، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون (4).
وفي الشعر الجاهلي ، إشارات متعددة ألى نصوص مكتوبة كقول أمرىء القيس :
أتت حجج بعدي عليها فأصبحت
كخط زبور في مصاحف رهبان
وقول الحارث بن حلزة :
واذكروا حلف ذي المجاز وما فدم فيه العهود والكفلاء
حذر الجور والتعدي وهل ينقضي مافي المهازق الأهواء؟
القران والكتابة قبل الإسلام

والقرآن الكريم نفسه يثبت للعرب معرفتهم بالكتابة قبل الإسلام في أكثر من موضع ، فنحن نقرأ في محكم آياته :
-(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) الفرقان (5) .
– (وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا ) الإسراء (93) .
-(قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ) الأنعام (91) .
الأمة الأميّة

ليس معني هذا أن الكتابة كانت منتشرة بين العرب في تلك الحقبة المبكرة من تاريخهم ، فقد كانوا في جاهليتهم أمة أمية ، تعيش حياة بدوية بسيطة ، لا تحس فيها بحاجة إلى الكتابة في تصريف أمورها ، ولم تكن أدوات الكتابة ووسائلها ميسورة لهم ، لأنهم لم يعرفوا منها غير العشب ،واللخاف والاقتاب وعظام الأكتاب فالأضلاع ، ومن ثم كانت الكتابة محصورة في أناس معدودين ، ولم تكن تمارس إلا في أضيق الحدود .
وكانت مواد الكتابة وأدواتها في العصر الجاهلي لم تكن تسمح بكتابةنصوص طويلة كاملة كالمعلقات ، فكم من الحجار والعشب والجلود يكفي لكتابة سبع قصائد في أقل الروايات – تربو الواحدة منها على مئة بيت !
هوامش :
1– محاضة مكتوبة عن الخط العربي – نشأـه وتطوره .
2-انظر صور لبعض النقوش .
3- لمحات في المكتبات والبحث في المصادر د . محمد عجاج الخطيب (17-18) وانظر كتابة مصادر الشعر الجاهلي ص 41- 58 ( تعلم الكتابة في الجاهلية وشيوعها) .
4- البداية والهاية 1 / 95
يتبع لاحقا ..
نقلاً عن تراثنا – العدد الثاني عشر
أنقر للمطالعة

تواصل مع تراثنا

