عِبر وحِكم

تراثنا – د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :

الحياة كلها حكايات وقصص وعبر ، والسعيد من استفاد وتعلم من كل بلاء مر به ، كما تقول العامة في الكويت ” كل طراق بتعلومة “.
فمن يقع ويسقط مرات ومرات في الشيء نفسه ، لم يستفد مما مر به من حسرات ولوعات والآم ، ما عرف الحياة كما قال صلى الله عليه وسلم ” لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ” رواه البخاري ومسلم .
اعجبني ما سطره الدكتور أحمد بكري – يرحمه الله – في كتابه ” مجموعة قصصية ” اخترت منها هذه القصة للعبرة، وهي موجهة للمهلكين أنفسهم في مصارعة الدنيا لتستجيب لطلبهم ، وما هي براغبة في ذلك .
أغلى من الذهب

قالت له زوجته : ماذا لو أن الله رزقنا من أوسع أبوابه ؟ ما الفرق بيننا وجيراننا ؟ لماذا ينعمون بكل ألوان النعيم ونُحرم ؟
لكن الزوج قال : القناعة كنز الحياة الأسمى ، اقنعي بما قسم الله لنا .
وتحت إصرار الزوجة على تحسين الوضع ، والانتقال من حال الفقر إلى حال الغنى ، لم يجد الزوج بداً من مضاعفة الجهد ، والعمل بعد دوامه الأصلي ، عملين إضافيين ، ولكن لم يجد نفعاً ، لم يحقق للزوجة طموحاتها ، لجأ الزوج إلى الله يدعو ويدعو ..ولكن الحال بقيت كما هي .
لم يكن الزوج طماعاً ، كان يطلب إلى الله مجرد الغنى والتوسعة ، لم يطلب أن يكون أغنى الناس ، أو مليونيراً مشهوراً ، لكن الله لم يستجب .
الزوج لا يعرف اليأس ، يستمر في أعماله ، يدعو الله باستمرار ، ويتلقف من زوجته دعوة جديدة ، سمعها تقول بعد كل صلاة : اللهم اجعل ما في بيتي ذهباً ..اللهم اجعل كل ما ألمسه ذهباً.
عائلة اللمسة الذهبية !

وذات يوم عاد الزوج إلى داره ، أمسك بالباب ليفتحه ، فتحول من خشب قديم نخر ، إلى ذهب أصفر لماع ، وطار من الفرح ، وصرخ منادياً زوجته ، وأقتعد الأرض يسجده لله شكراً ، لكن الأرض تحولت من تحته إلى ذهب يبرق ويلمع .
على صوته وصراخه ، أقبلت الزوجة والأولاد ، عرفوا أن الله استجاب دعوة الأب الذي أقبل بعد سجوده لله على أولاده يعانقهم واحداً واحداً ، فتحولوا إلى تماثيل رائعة من الذهب اللماع ..صاروا ذهباً !
وعندما جاع الزوج ، كانت مائدة الطعام حافلة بأصناف متعددة من الطعام ، وكانت الزوجة الذهبية قد أعدتها ..لم يستفد من الدروس التي رآها ، نسى أن الله قد استجاب دعوته ، فمد يده ليتناول الطعام والشراب فتحولا إلى ذهب يبرق ويلمع ، لقد صار كل شيىء ذهباً .
تحسر الزوج المسكين ، عانى الأمرين ، جلس حزينا كسيفاً ، دعا ربه أن يلمسه رجل مثله ، فيتحول هو إلى ذهب أسوة بأفراد أسرته ، أو يعيد له زوجته وأولاده وطعامة ، إذ لم يعد في حاجة إلى الذهب .. فقد أدرك المعنى الحقيقي للحياة .
*رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا .

تواصل مع تراثنا
