رحلات الحج مرجع جغرافي للمؤرخين (الحلقة الأولى)
توثيق الطرق والقرى والواحات والمنازل ومناهل العيون ..

تراثنا -عرفه عبده علي :

رحلة الحج إلى أقدس مجمع .. سجلها كثير من الرحالة والمؤرخين والأدباء في مدونات تضمنت توثيقا لرحلة العمر ، وتسجيلاً لمشهد الطائفين حول الكعبة المشرفة ، تصديقاً لدعوة ابراهيم عليه السلام .
واجتماعهم علي جبل عرفات ” مشهد يوم عظيم ” ووصف للمعالم والدروب الي وصف مناسك الحج ، وتدوين مشاهداتهم وتأملاتهم بنبض مشاعرهم وبروعة بيانهم .
وكان من حسن حظي أن ألتقي الدبلوماسي والمفكر د. عبد الهادي التازي – يرحمه الله – صاحب المقام الرفيع في التأريخ لرحلات الحج المغربية ، في المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة حيث كنت أعمل أيام الشباب ، كان بصدد اعداد بعض الأوراق البحثية عن ثقافة الحج .

ثقافة الحج معلم فكري إسلامي
ففي رأيه أنها ليست فقط توثيقاً لرحلة العمر ، ووصف للدروب والمعالم ، وتنوع أنماط الحياه ، بل استوعبت أيضا وصف منازل الحج والدروب ، وطبوغرافية المدينتين المقدستين، ورصد للأوضاع السياسية والأحوال الاجتماعية والاقتصادية والثقافية: جعلت من ثقافة الحج معلماً من أهم معالم الفكر الحضاري الإسلامي..

وأضاف العلامة : فاذا وضعنا أمامنا خريطة للعالم الإسلامي- في زمان عزه وأمجاده – بامتداده الي المحيط الأطلسي غرباً والى حدود الصين شرقاً ـ ومن جبال القوقاز في آسيا الوسطي الي جنوب الصحراء الكبرى في افريقيا .. تتوسطها الكعبة المشرفة ، يأتيها الحجيج من كل فج عميق ، سندرك عظمة التراث العلمي الذي دونه الرحالة الجغرافيون المسلمون وما أجمع عليه المستشرقون في بحوثهم الفذة بأن هؤلاء الرواد العظام كانوا أساتذة علم ” المسالك والممالك ” في العصور الوسطي , كما أجمعوا علي أنه لا يوجد في علم جغرافية المسالك والممالك : مكان علي وجه البسيطة حظي بعناية الرحالة والمؤرخين مثلما حظيت طرق ودروب قوافل الحج وعنايتهم بتدوين أسماء الدروب ومراكز ومنازل مطايا الحجيج – في عصور متعاقبة – والوكالات والخانات، ومناهل وعيون المياه، والمساجد والزوايا ، والقري والواحات ، والمسافات التي تفصل بينها جميعاً ، حتي وصولهم الي المواقع المعروفة في ثقافة الحج ب” المواقيت ” ..
تعددت الطرق والمعالم والمعطيات وحرص الرحالة المسلمون خاصة على استقصاء المواضع والأماكن التاريخية بالمشاهدة والتحقق ، مما أثري أدبنا العربي بالمئات من قصائد الشوق والحنين الي الحرمين الشريفين ، الحافلة بذكر ووصف منازل ومراحل الطريق ، وحسبنا أن نتصفح واحدة من مدونات رحالة الإسلام العظام : ابن بطوطه ، ابن جبير ، ابن حوقل ، شمس الدين المقدسي ، الحسن الوزان ، النابلسي ، التجيبي .. وغيرهم .
أعظم موتمر إسلامي سنوي

حتي نقف علي منازل قوافل الحج وما كانت تزدهر به من دور علم ومكتبات وعلماء في الفقه والتفسير والحديث ، وتفاصيل من الحياة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي ، ولندرك الابعاد الكبرى لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام في قوله تبارك وتعالي ” وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ” الحج (27) ، فقد أتاح للمسلم أن يشهد أعظم مؤتمر إسلامي سنوي يذكر بأخوة الإسلام ورابطة الايمان .. مع اختلاف الأعراق والألوان واللغات والثقافات .
ويمضي العالم التازي في سرد خواطره للتأكيد علي فكرته فقال : أيضا من خلال مدونات الرحالة المسلمون والأجانب ، نزداد علماً بمكانة حواضر الإسلام الكبرى التي شكلت منازل كبري علي دروب الحج : دمشق , القدس الشريف , القاهرة , الإسكندرية.. والتي اعتبرت مراكزاً لتجميع الحجيج القادمين من بلاد المغرب ومن أواسط افريقية ، في قافلة عظيمة الي القاهرة ومنها الي مكة المكرمة ، والإسكندرية بكل تاريخها وحضارتها، وعلمائها ومدارسها ، اتخذها عدد من اعلام الحاج الرحالة مستقراً ومقاماً ..
أهمية مراكز تجمع القوافل

وكما أجمع المؤرخون علي أهمية دور دمشق كمركز تجميع وانطلاق لقافلة الحج الشامي ، فقد أجمعوا أيضاً علي دور القاهرة في تفعيل هذا الركن العظيم ، وحرص السلاطين علي تأمين قافلة الحج المصري وطريقها الي جانب ما أفاد منه الحجيج خلال مقامهم بها من مساجدها ومدارسها العتيقة ، وشهرة علمائها ودورهم في تدشين العلوم والثقافة الإسلامية..وكذلك القدس الشريف التي خصص لها أعلام الرحالة والمؤرخين سواء في طريق رحلتهم الي الحج أو في عودتهم – فصولا رائعة – في التاريخ وعلوم الدين والثقافة الإسلامية عامة .
طالع الحلقة الثانية :
د . التازي ..الحج ملتقى علماء المغرب والحرمين
يتبع لاحقا ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 98

تواصل مع تراثنا

