• Post published:الأثنين 18 ربيع الأول 1448هـ 31-8-2026م

 

 

رحلات الحج مرجع جغرافي للمؤرخين  (الثانية والأخيرة)

توثيق الطرق والقرى والواحات والمنازل ومناهل العيون ..

 

العاهل السعود الملك عبدالعزيز بن سعود - يرحمه الله -يمسح على الحجر الأسود
العاهل السعود الملك عبدالعزيز بن سعود – يرحمه الله -يمسح على الحجر الأسود

تراثنا -عرفه عبده علي :

 

الباحث عرفه عبده علي
عرفه عبده علي

كان من حسن حظي أن ألتقي الدبلوماسي والمفكر د. عبد الهادي التازي – يرحمه الله – صاحب المقام الرفيع في التأريخ لرحلات الحج المغربية ، في المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة حيث كنت أعمل أيام الشباب ، كان بصدد اعداد بعض الأوراق البحثية عن ثقافة الحج .

 

 

د. عبدالهادي التازي – يرحمه الله

 

 استعراضنا في الحلقة الأولى خواطر د . عبدالهادي التازي وقفنا على رؤيته لثقافة الحج ، التي يرى أنها رحلة  توثيقية لأنماط الحياة والدروب والمعالم ووصف طبوغرافية للمدينتين المقدستين وغيرها .

 

وفي الحلقة الثانية والأخيرة ينتقل التازي إلى جانب آخر من مزايا رحلة الحج .. فيقول :

 

 

التواصل الفكري مع علماء الحرمين الشريفين 

 

حجاج الكويت يستعدون لركوب باصات حملات الحج قديما
حجاج الكويت يستعدون لركوب باصات حملات الحج قديما

 

وبلغة المؤرخ المحقق المدقق أضاف بأن الحج كان من أهم البواعث التي دفعت المسلمين من فج عميق الي الرحلة , ولم تقتصر الرحلة علي أداء مناسك الحج وحدها , بل وأضيف اليها التزود بالعلم والحرص علي لقاء شيوخ العلماء في مختلف الامصار , والتجارة أيضا , فالله تبارك وتعالي قد جمع منافع كثيرة في موسم الحج , فالإسلام دين حضاري ودولة منفتحة , وكلاهما يكفل الرقي وتأمين حركة الحياه ..

 

تلاقي علماء المغرب والحرمين 

 

والأهم في رحلات الحج , أنها جعلته فرصة مناسبة لتلقي العلم عن علماء الحرمين الشريفين ومن حل بين ظهرانيهم من العلماء القاصدين الحج والشيوخ المجاورين , وزيارة الفضلاء وتقصي الأخبار وجمع الاثار في علوم الحديث والفقه والتاريخ , وقد احتفظ الحرمين الشريفين بأساليب العلم الإسلامي في التلقي والأداء قرونا طويلة , فكانا محفلين لتوافد علماء الأمة من مشارق الأرض ومغاربها , ومجمعين للرواية والسماع والاجازة , فعلي سبيل المثال , تميزت رحلات شيوخ العلم المغاربة بخصوصيتها وفي حرصهم علي لقاء علماء الحرمين الشريفين , واعتزاز علماء المغرب في مصنفاتهم العلمية بالأخذ عن علماء الحرمين , يؤكد قيمة وقامات هؤلاء العلماء وأن اجازتهم كانت «فخر المقاصد وأبهجها » .. بما يؤكد ما كان بين شيوخ وطلاب العلم المسلمين من علاقات وثيقة وصلات عظيمة .

 

مجالس العلم في الحج 

 

السفر على ظهور الجمال قديما
السفر إلى الحج على ظهور الجمال قديما

 

وكتب د. التازي أيضا عن مجالس العلم في الحرمين الشريفين: «واذا ما عرفنا أن الذين يقصدون الحرمين الشريفين ليسوا بالضرورة ممن يحسنون اللغة العربية , وعرفنا انهم يتكلمون لغات مختلفة , منها المعروف والمشهور ومنها النادر والمهجور, اذا عرفنا ذلك وجب علينا ان نتصور أن مشايخ تلك الجهات كانوا لا يقتصرون علي لغة القران في التبليغ , ولكنهم تجاوزونها الي العديد من اللغات « وحدثنا عن العلامة « عبد الجليل برادة المغربي الفاسي « الذي أقام بالمدينة المنورة في عام 1299/ 1882م الذي أتقن لغات خمس : العربية والهندية والتركية والفارسية والحبشية, فكان يعلم الوافدين والمجاورين من بلاد الهند وفارس والحبشة أمور دينهم باللغة التي يحسنونها , وأسهب في الحديث عن مدرسة المدينة المنورة وما كان يتوفر لها من مأوي ومطعم ومشرب و ما كانت تضمه من طلاب العلم والأساتذة الأجلاء الذين كانوا يساعدون الشيخ برادة والذي ماتزال ذريته الي الان حاضرة بالمدينة , وهذا فقط مجرد نموذج لما كان في أم القري , فأشار الي مجالس الشيخ « محمد بن سليمان الروداني السوسي « في مكة المكرمة والذي طبقت شهرته الافاق , وهو الذي أنشأ مزولة في البيت العتيق لمعرفة أوقات النهار وكانت فوق بئر زمزم قبل أن تنقل الي قبالة مقام إبراهيم ثم اختفت في نهاية القرن الرابع عشر الهجري عندما فرش الحرم بالمرمر وأضاف بانه « عمر عدة أوقاف بمكة تعرضت للتخريب وأدخل تعديلات علي النظم الاجتماعية بما أحدثه من مؤسسات ثقافية وعلمية كان لها أبعاد واسعة في النسيج الحضاري لأم القري « ..

 

الأشعار وأيام العرب 

 

ومما لاشك فيه أن مدونات هؤلاء الرحالة قد أفادتنا بحلقات العلم في الحرمين الشريفين وأماكن انعقادها وسمت الشيوخ وعدد الطلاب , وأن هذه الحلقات لم تكن قاصرة علي العلوم الشرعية وإنما كانت تروي فيها أيضا الأشعار وأيام العرب !

 

وإلى جانب حواضر الإسلام الكبرى التي اشتهرت بنسخ المصاحف والمخطوطات : دمشق وحلب وبغداد والقاهرة .. فقد أفادتنا مدونات الرحالة المسلمين أيضا بشهرة مكة المكرمة والمدينة المنورة في هذا المجال باعتبارهما مهوي أفئدة الحجيج والمعتمرين علي مدار الشهور والدهور, ومن العلماء من جعل احدي المدينتين المقدستين مبتدأ نسخه أو منتهاه .

 

التحليق إلى البيت العتيق

 

كان د. التازي عضوا ببعثة الحج الرسمية بتكليف من الملك محمد الخامس عام 1959 وكتابه « التحليق الي البيت العتيق « يعد حلقة في سلسلة طويلة من أدب الرحلة الحجازية .. نزل والوفد المرافق في المدينة المنورة حيث كان وقتهم موزعا بين مقر إقامتهم والمسجد النبوي , طافوا بمعالمها ومنعرجاتها , وزاروا البقيع ووادي العقيق ومساجدها : القبلتين , أبو بكر الصديق , الغمامة , قباء , عمر , علي , الفتح , سلمان الفارسي , فاطمة الزهراء .. كما حرصوا علي زيارة سوق التمور التي اشتهرت بها المدينة وكتب عنها الرحالة الأجانب !

 

صدر لهم إذن الأمير فيصل ولي العهد بالدخول الي الروضة الشريفة , تقدمهم بعض السدنة وهم في حال الاستئذان للدخول علي صاحب المقام المحمود وصاحبيه , الحراسة مشددة لتجنب أي تجاوز !.. كان الموضع رهيبا مهيبا , مروا بين دكة الأغوات وشباك النبي عليه الصلاة والسلام  , وبين الدعاء والبكاء والضراعة عادوا من نفس الطريق , ثم توجهوا الي مكة المكرمة وقد استرسلوا في التلبية والدعاء حتي وصلوا الي البيت العتيق , دخلوا من باب السلام وبدأوا من الملتزم وصولا الي ركن الحجر الأسود ثم طواف القدوم سبعة أشواط , و قاموا بأداء ركعتين في مقام إبراهيم واغترفوا من ماء زمزم , وكان لهم حظ أداء صلاة الجمعة في رحاب المسجد الحرام ومضي العلامة في وصف مناسك الحج في مني وعرفات وتسجيل انطباعاته .. أيام مشهودة بين أمواج من البشر باختلاف ألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم .. وفي ختام المناسك يصافحون بعضهم البعض « عودان ياحاج عودان» !

 

آثاره العلمية :

 

د. عبد الهادي الدبلوماسي وإمام المؤرخين تربع بعلمه وعطاؤه الفكري واشراقات قلمه علي عرش التاريخ , ومن آثاره العلمية :

 

آداب لامية العرب، تفسير سورة النور ، أعراس فاس، جامع القرويين، ليبيا من خلال رحلة الوزير الاسحاقي، صقلية في مذكرات الوزير ابن عثمان، رسائل مخزنية ، القنص بالصقر بين المشرق والمغرب، التاريخ الدبلوماسي للمغرب، أوقاف المغاربة في القدس، الامام إدريس مؤسس الدولة المغربية، تحقيق رحلة ابن بطوطة «تحفة النظار في غرائب الأمصار.. »، الكويت قبل ربع قرن، المرأة في الغرب الإسلامي ، بالإضافة الي الأبحاث والتراجم والكتب المحققة .

 

كانت لقاءاتي بالعالم العلامة د. التازي – تغمده الله بواسع رحمته – حافلة بالأخبار والفوائد , كان حريصا علي الدفاع عن القيم والهوية الإسلامية , وفي كل ما سبق عرضه أو بعضه .. يؤكد لنا أن ثقافة الحج قد أسهمت في ازدهار الفكر وتنوع منابع المعرفة الإسلامية , لاسيما أنها اتصلت بأكرم مقام , وببيت ليس كسائر البيوت .

 

 

طالع الحلقة الأولى :

 

المؤرخ والدبلوماسي د التازي والجغرافيا المقدسة 

 

 

 

نقلاً عن تراثنا – العدد 98

أنقر للمطالعة 

 

 

غلاف مجلة تراثنا في عددها رقم 98 الصادر بتاريخ يوليو 2026 م - ذو الحجة 1447 هجري

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

 

تواصل مع تراثنا 

 

اترك تعليقاً