الحلقة الثانية
ذكريات كويتية في أول عيد وطني للجزائر

تراثنا – انتقاء د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :

شغل الاستعمار الفرنسي للجزائر الشقيقة خلال الفترة من (5 يوليو 1830 – 5 يوليو 1962) الوجدان العربي والإسلامي لدى الكويت حكومة وشعباً والشعوب العربية والإسلامية عامة .
فكانت التبرعات تجمع لدعم جهاد الشعب الجزائري على قدم وساق بكل المستويات الشعبية والرسمية ، فيما كانت منابر الجمعة تحث المصلين الدعاء لهم بالنصر ، كانت اللجان الخيرية تنادي إلى دعم اخوة الجهاد في طول البلاد وعرضها .

في الحلقة (الثانية) ، يسترسل الأديب الكويتي فاضل خلف سرد ذكرياته في كتابه (أصوات وأصداء) الذي يصنف في أطار (أدب الرحلات) ، حيث وثق فيها زيارته الاولى للجزائر في نوفمبر عام 1962 ،باعتباره عضواً في وفد كويتي رسمي لتقديم التهنئة بأول عيد وطني للجزائر بعد التحرر من الاحتلال الفرنسي، حيث كان لقاءه وتعارفه الأول بالشيخ عمر بن مازيغ الجزائري في بيته في ضاحية “حيدرة ” الجميلة، فيقول عن ذلك اللقاء :
وقفت أمام المنزل المحطم، في ضاحية حيدرة الجميلة ما شاء لي الوقوف والتأمل، وما شاءت سبحات الخيال، إلى أن أعادني إلى دنيا الناس “سلام” منك، طرق مسمعي، فانتبهت فزعاً مذعوراً فقد كنت في عالم فأصبحت في عالم .. كنت في عالم كله شفافية ونور وأصبحت في عالم كله برد ومطر.

وما زلت أذكر أن قفة “سلة” كانت في يدك فيها بعض حاجات البيت من فاكهة وخضار، وبعد المصافحة والتعارف عرفت اسمي وبلدي، وعرفت اسمك الكريم الذي بقي في الذاكرة حياً متوقداً، أربعة عشر عاماً .. إنه “عمر بن مازيغ” الذي كان ينتظر عودة ابنه “جعفر” من ميادين الجهاد حتى ذلك اليوم .. وقد مر على صمت القنابل أكثر من ستة أشهر، ولست أدري أعاد المجاهد جعفر من الميدان الذي كان مجاله جبال الجزائر الشماء؟ أم أنك ما زلت في الانتظار؟
كرم أهل الجزائر
لقد كنت كريماً معي، والكرم طبيعة أصيلة في الشعب الجزائري ، فدعوتني إلى منزلك، ولبيت الدعوة شاكراً، وكان منزلك أول منزل جزائري أغشاه في الجزائر، أما أول منزل جزائري دخلته فكان في مدينة ماطر التونسية، مع أهل بيتي، وكان اسم المضيف السيد محمد سويح، الذي أبى إلا أن يوسق سيارتي عنباً ورماناً وفاكهة موسمية أخرى.
لاله صفية والأبناء

ودخلت منزلك الذي يحتل أجمل بقعة في الربوة المطلة على مدينة الجزائر الجميلة، واستقبلتنا أم البنين “لاله صفيه” مع أخوة جعفر وعندما قدمتني لهم لم يعرف أيّ منهم الكويت، فقلت أنت لهم: إنها قريبة من مكة، وضيفنا “سي الفاضل” جاء مهنئاً بعيد استقلال الجزائر فتهللت وجوههم، وأقبلوا علي في شوق ولهفة يحيون ويرحبون، فقد مس ذكر مكة أوتار قلوبهم، بل إنني لمحت حبات الدمع تترقرق في عيني أم جعفر، وقد حاول بعض الصغار تقبيل يد الزائر الذي يسكن بالقرب من مكة المكرمة.
ثم تحول البيت إلى دار ضيافة “لاله صفيه” في المطبخ، والشبان الصغار يتسابقون في اكرام ضيفهم، هذا يأخذ بعض ملابسي التي بللها المطر المنهمر، وتلك تجففها على مدفأة الغاز، التي كانت ألسنة لهيبها تحارب البرد والرطوبة في بيت الصالة، وآخر يقدم القهوة، وأخرى تقدم الحلوى.
لقد بددت أسرتك الكريمة غربتي، وآنست وحشتي ، وشعرت بالسعادة تغمر كياني، في تلك الليلة الباردة الممطرة، في منزلك العامر، في ضاحية حيدرة الجميلة المطلة على مدينة الجزائر المعطاء، التي أخذت تتلألأ بأنوارها بعد أن عم الظلام آفاقها البيضاء.
ولست أدري كيف كانتا هذه المدينة المتلألئة منذ شهور قبل أن تتوقف الحرب المقدسة التي استمرت ثمانية أعوام؟ ولست أدري كيف كانت هذه المدينة في مثل هذا الوقت من كل مساء، إذا غرقت في بحر من الظلام؟ لا شك أن ومضات الرصاص كانت هي التي تضيء آفاقها، ثم تحولت تلك الومضات الصاعقة إلى أنوار مضيئة، وهي التي رأيتها من نوافذ منزلك في تلك الليلة السعيدة، من شهر نوفمبر عام ١٩٦٢، بينما كانت أسرتك الكريمة، تقوم بواجبات الضيافة، للزائر القادم من الكويت .. الكويت التي تجاور مكة المكرمة، وإكراماً لمكة زادت حرارة الكلام، في ذلك المنزل الجميل، القابع فوق ربوة حيدرة الفيحاء.

عشاء أمازيغي وتوابعه
إنني وأنا أكتب هذه الرسالة، وبعد مرور أبعة عشر عاماً، أحس بقلبي يقفز من مكانه لكي يحوم في آفاق حيدرة، الضاحية الجميلة لعاصمة الجزائر، بعد أن نبشت الذاكرة، ذكريات حبيبة هجعت فترة طويلة من الزمن، ثم انطلقت من محبسها، كما ينطلق الضياء من ينابيعه المتدفقة المشرقة .. فهل تعود تلك السويعات التي مرت في أفق حياتي في تلك الليلة المعطاء؟ هل تعود؟
ثم تناولنا العشاء. وبعده جاءت الحلوى الجزائرية، ثم القهوة اللذيذة وبعد العشاء وتوابعه، كانت سهرة أسرية امتدت حتى منتصف الليل.

وعود لم تتحقق
ثم ودعتكم والدموع تترقرق في مآقينا جميعاً .. وغادرت الجزائر بعد ثلاثة أيام ، لقد وعدتك بأن أكتب إليك بعد وصولي إلى تونس حيث مقر عملي في سفارة الكويت ووعدتك بأن أكتب عن جهاد الجزائر، ولكني لم أفعل، بسبب فقد بعض أوراقي في فندق “ألتي” وكان من ضمنها عنوانك ، ولا أنا كتبت شيئاً عن بطولة الجزائريين.
الجزائر الحرة الشامخة

وقد جئت اليوم لتحقيق رغبتك التي مضى عليها أعوام وإذا كان جعفر قد عاد من ساحة الشرف فلا بد لها أيضاً من الوصول إليه، أو إلى أحد من أهل بيته، لأنني وإن كنت قد أضعت عنوان منزلك، إلا أنني سوف أعثر على المنزل بالخيوط الباهتة التي بقيت في الذاكرة -على النهج والدار – الخيوط الباهتة التي ما زالت تضيء في الوجدان بعد كل هذه السنوات من الزمان، فإلى اللقاء إن شاء الله، في الجزائر الحرة الشامخة شموخ الحياة .
يتبع لاحقا ..
طالع الحلقة الأولى :
الأديب الكويتي فاضل خلف وذكريات ما بعد تحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسي
نقلاً عن تراثنا – العدد 97

تواصل مع تراثنا

