• Post published:

تفنيد شبهات تاريخية 

 

حضارة بلاد فارس في عهودها القديمة
 ظهرت الجواري والمحضيات في حضارة بلاد فارس في عهودها القديمة

 

تراثنا – كتب د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :

 

الدكتور محمد بن إبراهيم الشيباني رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت
د. محمد الشيباني 

شاعت فكرة أصبحت كالحقيقة المسلم بها بأن عصر ” الحريم” ابتدع وبدأ مع قيام الدولة الإسلامية العربية ،ومنها انتشرت إلى غيرهم في حين التاريخ والحقائق تدحض هذه الفرية تماماً بل هي أمر شائع يعود لحضارات الموغلة بالقدم  .

 

البداية من حضارة الفرس 

 

حضارة الفرس والبابليين
حضارة الفرس والبابليين

بدأ “الحريم” عند الفرس الأولين إذ أنشأ ملوكهم الذين انقضوا على الحضارات القديمة فهدموها ، وهي حضارات البابليين والميديين والليدين والفراعنة .

 

ويرجح المؤرخون أن دارا الأول هو الذي ابتدع نظام الحريم في بلاطه وجلب له الغانيات (71) ، من البلاد التي أخضعها ، ولم تكن الفتيات يبعن ويشترين أول الأمر ، بل كان الملك يأمر بحملهن إلى قصره متي أعجب بهن ، وهناك تمكث الواحدة منهن سنة كاملة تتغذى بغذاء خاص ،وتستحم بأنواع العطور ، وتدلك بالزيوت ذات الرائحة الذكية ، ثم بعد انقضاء العام يحظى بها الملك ، ولا تخرج من القصر إلى إلى القبر .

 

نقل نظام الحريم

 

تم نقل نظام الحريم عن الفرس إلى قصور ملوك الشرق ،واقتدى الوزراء والأمراء بالملوك ، ومن ثم صار الرقيق الأبيض تجارة لكثرة المطلوب من الحسان ، وظل الحريم قائماً حتى أيام السلطان عبدالحميد (72) ،وإلى ما بعده بقليل ، وانقضى عهد الحريم هنا ، بموافقة مصر على معاهدة تحريم الاتجار بالرقيق (73) في عهد الخديوي إسماعيل (74) .

 

الاسلام وأكذوبة يدحضها التاريخ

 

السلطان عبدالحميد الثاني - يرحمه الله
السلطان عبدالحميد الثاني – يرحمه الله

 

فالقول إذاً بـأن الحريم نشأ في ظل المدينة الإسلامية العربية خطأ ، والرأي الذي يريد أن يجعل الحريم بدعة مصدرها طبيعة الجنس السامي ، إنما هو رأي يستند إلى الغرض والتميز أكثر مما يستند إلى الحقائق .

 

وهناك أكذوبة أخرى تقترن بالحريم ، وهي زعمهم أن الجواري والحظايا (75) جديرات بالرثاء لأنهم سجينات ، قد اختطفن من أحضان الأمهات ، وبوعد  بين الواحدة منهن والحياة الحرة ، ومشاركة زوج يحنو ويجب ، سلبن نعمة النسل ورعاية الولد ، وهذا الزعم ظاهره صدق وباطنة إفك ، على أنه ينطبق على فئة جواري القصور من اللاتي حرمن الذكاء والفطنة وضاقت بهن سبل الحيلة .

 

الجواري كن في نعيم

عكس ما قيل ويُقال 

 

كافور الأخشيدي
كافور الأخشيدي

جواري الحريم كن يتمتعن بأشهى المأكل والأشربة ، وكن يلبسن الحرير ، ويتجملن بالأحجار الكريمة ، وكن يرقص ويغنين وينعمن بأنفس ثمرات الفن الجميل ، وكن يتنزهن في الرياض الفسيحة ، وأحيانا كن يخرجن في نزه نهرية ، أو يذهبن إلى الغابات للفرجة على الصيد والقنص في خيام بديعة الصنع موشاة بالذهب والفضة (76).

 

حياكة المؤمرات والدسائس 

 

أكثر من هذا تمتعت الجواري في القصور !!  فبعض الغواني حكمن مصر وبلاطه ،وحكمن صاحب القصر ، وبعضهن امتد حكمهن إلى ما وراء القصر ، وعلى الدوام اتخذت الحضايا والجواري من الخصيان آلات لتفيذ الإغراض وأحكام الدسائس ، حتى أن بعض الأذكياء من هؤلاء الخصيان (77) بلغ من النفوذ درجة جعلته السيد المطاع في ممالك ذات خطر ومكانة ممتازة ، وكافور الأخشيدي (78) ، برهان ناطلق على صدق ذلك( 79) .

 

سيطرة القراصنة

على البحار وتجارة الجواري 

 

ولعل الجواري اللاتي حكمن الدول من وراء ستار شيء يطول شرحه.. لذلك – اخترعت ما عنونت له هذا الباب – لدلالته على فساد نظام الحريم ومقدار أضراره بالممالك الشرقية على وجه الخصوص .

 

أغار القرصان في البحر الأبيض المتوسط على سفن خرجت من مدينة “جنوا” وكان هؤلاء القرصان في الغالب من الجزائريين ، لا يبالون بشيء ولا يحترمون كبيراً ولا صغيراً، ولم يكن أحد يستطيع مغالبتهم والتعرض لأوكارهم التي امتدت على طول الساحل الأفريقي ، من تونس إلى بوغاز جبل طارق (80).

 

واتفق أن هذه السفن كانت تحمل أفراد أسرة شهيرة من نبلاء (جنوا) التي ازدهرت تجارتها وفوى نفوذها في القرون الوسطى ،واعترفت بجمهوريتها كبريات الدول وتعاهدت معها .

 

 

ايطاليا تحكم تركيا (العثمانية)

 

السلطان محمد الثالث العثماني
السلطان محمد الثالث العثماني

 

ومن بين هذه الأسرة ، اختطفت فتاة تدعى الآنسة ” أمي دي بافو ” فذهب بها القرصان إلى الأستانة ،وعرضوها للبيع في سراي السلطان مراد الثالث (81) ، فاشتراها واتخذها محظية له ، وبعد أن ولدت له ولداً سماه محمداً (وهو محمد الثالث) “82” ، اعتقها واتخذها زوجة شرعية ، سُميت صفية الإيطالية ، وقد استأثرت بلبله ،وتسلطت على شؤون الدولة العثمانية ، فمما فعلته أنها جدّدت امتيازات (جنوا) ، ودست على الوزير الكبير محمد صقللي باشا ، وكان من عمد الدولة ، واستطاعت أن تتخذ من الانكشارية (83) آلة لبث الفتن والثورة على القواد بل وعلى إرادة السلطان نفسه .

 

الخلاصة 

 

والأمثلة التي تنطوي على أفظع الجنايات كثيرة ، تُصور لنا أن نساء “الحريم ” والخصيان ، وهي ظاهرة تكررت في الدول الشرقية التي ساد فيها نظام “الحريم”وما فيه من أسرار وفجائع !! (84).

 

 

كاتب وكتاب 

أنقر الغلاف

 

كتاب قطوف من مقالات نادرة في تاريخ الأناضول ورجالاتها وأخبارهم أهملت أو نسيت - القسم الأول - انتقاها وعنى بها د . محمد بن إبراهيم الشيباني

 

مقتطفات منتقاة (ص 67 -72) من “كتاب قطوف من مقالات نادرة في تاريخ الأناضول ورجالاتها وأخبارهم أهملت أو نسيت – القسم الأول”  انتقاها وعنى بها د . محمد بن إبراهيم الشيباني – الطبعة الأولى ( 1447هجرية – 2026 م) ، يقع في (108) صفحات وسط ، منشورا مركز المخطوطات والتراث والوثائق في الكويت .

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

تواصل مع تراثنا

اترك تعليقاً