الحلقة الثامنة
تحقيقات علمية نقدية في الأدب واللغة

تراثنا – د. محمد بن إبراهيم الشيباني * :

أبدأ أولاً بالترحم على إخواني أ.د. محمد التونجي وأ.د. أحمد بكري داعياً لهما الله بالعفو والمغفرة. أما الثانية، فقد عرض علي أخي د. أحمد بكري قبل وفاته بأشهر أن أطلع على هذا الكتاب “درة الغواص في أوهام الخواص تصنيف القاسم بن على الحريري – ت 516 هجري” وأقرأه لتقدير مدى صلاحيته للطباعة والنشر .
فقرأته من الجلدة إلى الجلدة كما يُقال ، فأصلحت وقوّمت بعض النقوصات الطباعية والعلمية في المتن والهامش، وكان ما كان، وباشرنا نشره في حلقات في مجلة تراثنا تمهيداً لطباعته وإصداره بعد ذلك والله المستعان.
في هذه الحلقة الثامنة، نستأنف ما سبق سطرناه بشأن (منهج الحريري في درته لحن الخاصة) وبينا حرصه على اللغة العربية وسلامتها وتنقيتها من شوائب اللحن الذي استشرى ، والعثرات اللغوية والنحوية إلى ألسن الخاصة والعامة…وجاء في النص الآتي :

قال الشيخ الإمام أبو محمد القاسم بن علي البصري (1) الحريري – رحمه الله :
أما بعد حمدَالله الذي عم على عباده بوظائف العوارف ،وخص من شاء منهم بلطائف المعارف والصلاة (2) على نبيه محمد العاقب ، وعلى آله وأصحابه أولي المناقب .
فأني رأيت كثيراً ممن تسنموا أسنمة الرُتب ، وتوسموا بسمة الأدب قد ضاهوا (3) العامة في بعض ما يفرط من كلامهم ، وترعفُ به (4) مراعف أقلامهم ، ، مما إذا عُثر عليه ، وأُثر عن المعزو إليه ـ خفض قدر العِلْية ، ووصم ذا الحلْية ، فدعاني أن أدرأ عنهم الشُبه ، وأبيّن لهم (5) ما ألتبس عليهم واشتبه ، لألتحق بمن زكى(7) أُكُل غرسه ، وأحب لأخيه ما يحب لنفسه ، فألفت هذا الكتاب تبصرة لمن تبصر ،وتذكرة لمن أراد أن يتذكر (8) .
وسميته ” دُرة الغوّاص في أوهام الخواص” ، وهأنا قد أودعته من النُخب كل باب (9) ومن النُكت ما لا يوجد منتظماً في كتاب ، هذا إلي ما لَّمعتُه به من النوادر اللائقة بمواضيعها ، والحكايات الواقعة في مواقعها ، فإن حَليَ بعين الناظر فيها والدارس وأحلاهُ محل القادح (10) لدى القابس ، وإلا فعلى الله أجر المجتهدين (11) . وهو حسبي وعليه أعتمد .
من أوهام وأغلاط الخواص
فمن أوهامهم الفاضحة ،وأغلاطهم الواضحة :
قولهم (13) : ” قَدمَ سائرُ الحاجّ ، واستُوفي سائر الخراج “، فيستعملون سائراً (13) بمعنى الجميع ،وهو في كلام العرب بمعنى الباقي ، ومنه قيل لمِا يبقى الإناء سُؤرٌ ، والدليل على صحة ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لغيلان (14) حين أسلم ، وعنده عشرة نسوة ” اختر أربعة منهن ، وفارق سائرهن ” ، أي من بقي بعد الأربع اللاتي تختارهن .
ولما وقع “سائر” في هذا الموطن ، بمعنى الباقي الأكثر ، مُنع استعماله ، بمعنى الباقي الأقل ، والصحيح أنه يستعمل في كل باقٍ ، قل أو كثر ، لإجماع أهل اللغة على أن معنى الحديث ” إذا شربتم فأسئروا ” (51) أي أبقوا في الإناء بقية ماء .. لا أن المراد به أن يشرب الأقل ويُبقي الأكثر، وإنما ندب إلى التأدب بذلك ، لأن الإكثار من المطعم والمشرب منبأة عن النهم ، وملامة عند العرب ، ومنه ما جاء في حديث أم زرع عن التي ذمت زوجها ، فقالت : ” إن أكل لَف، وإن شرِب اشُتّف” (11) أي يتناهى في الشرب إلى أن يستأصل الشفافة ،وهي ما يبقي من الشراب في الإناء .
ومما يدل على ” سائراً ” بمعنى الباقي (27) ما أنشده سبيويه ” (طويل)
ترى الثور فيها مُدخل الظل رأسه
وسائره باد إلى الشمس أجمعُ
ويشهد بذلك قول الشُنفري (18) (طويل)
ولا تقبروني إن قبري مُحرمٌ
عليكم ولكن أبشري أم عامر
إذا احتُمِلت راسي وفي الرأس أكْثري
وغودر عند الملتقى ثم سائري
فعنى كلُ شاعر بلفظ “سائر” ما بقى من جثمانه بعد إبانة رأسه ، وقد اشتملت هذه الأبيات على ما يقتضي الكشف عنه ، لئلا يحتضن هذا الكتاب ما يلتبس شيءُ منه .
أما قول الشاعر الأول :
ترى الثور فيه مُدخل الطل رأسه ُ
فإنه أرد به ، مُدخل رأسه الظّل ، فقلب الكلام ، كما يقال : ” أدخلت الخاتم في إصبعي ،” وحقيقته ، إدخال الإصبع في الخاتم .
وقلب الكلام جائز ( 19) في سنن العرب المأثورة ، وتصاريف لغاتها المشهورة ، ومنه في القرآن الكريم ، “مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ” وتقديره (21) ما إن العصبة تنوء بمفاتيحه (22) ،أي تنهض بها على تثاقل .
وأما قول الشُنفري ( 2 /ب)
..ولكن ابشري أم عامر
فقد أُختُلف في تفسيره فقيل : إنه التفت عن خطاب قومه إلى خطاب الصبُع ، فبشرها بالتحكم (23) فيه إذا قُتل ولم يُقبر ، وأم عاما كُنية الضبع ، والالتفات (24) في المخاطبة نوع من أنواع البلاغة ، وأسلوب من أساليب الفصاحة ،وقد نطق القرآن الكريم به (25) في قوله (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ) (26) ، فحوّل الخطاب عن يوسف عليه السلام إلى أمرأة العزيز .
وقيل ، بل الخطاب كله لقومه ، وكأنه قال ، : لا تقبروني إذا قُتلت، ولكن اتركوني للتي يُقال فيها : ابشري أم عامر ” فجعل هذه الجملة لقباً لها ، وأوردها على وجه الحكاية ، كما قيل لثابت بن جابر الفهمي : تأبط شراً ، بأخذه سيفاً تحت إبطه .
وإنما لُقبت (27) الضبع بذلك ، لأن من عادة من يروم اصطيادها من وجارها (28) ، أن يقول لها حين يُحتفر (29) عنها : أبشري أم عامر ، خامري أم عامر ” وهي تبتعد منه ، وتروغ عنه ، وهو لا يزال يكرر ذلك (30) عليها، ويؤنسها به ، إلى أن تبرز إليه ، وتُسلم نفسها له ، ولأجل إنخداعها بهذا القول ، نُسبت إلى الحُمق وضُرب بها المثل فيه .
وأما قوله : وفي الرأس اكثري ، فإنه عنى به أن فيه (3 /أ) أربعا من الحواس الخمس التي بها كُملت فضيلة الإنسان ، وامتاز عن سائر الحيان ، وإنما اختار هذا الشاعر تسليط الضبع على أكله .
وأن لا يُقبر بعد قتله ، ليكون هذا العمل أوجع لقلوب (32) قومه ، وأدعى لهم إلى الثُّؤور (33) بدمه .
وقد فُسر بغير هذا (34) إلا أنا لم نضع هذا الكتاب لهذا الفن ، فنستقصي فيما نشرح منه ، وإنما شذرنا (34) بما نظمنا من غير سِمطه (35) فيه .
هوامش :
1- الكلمة ساقطة من ف .
2- كان يحسُن به أن يقول : والصلاة والسلام .
3-ضاهاه : شابهه وشاكله .
4- رعف القلم : تقاطر مداده .
5- وفي ق : العكف ، وهو وهم .
6- لهم : ساقطة من ق و ف .
7-وفي ق : زكا .
8-وفي ف : يكر .
9- وفي ق و ف : لباب .
10- القادح : الذي يقدح الزند ليوقد النار ، القابس : المقتبس والمستفيد من النار .
11- وفي ق و ف : المجتهد .
12- – وفي ق و ف : يقولون : وكذا سائر الكتاب .
13-وفي ق : سائر .
14- وهو غيلان بن سلمة : أحد وجوه ثقيف ومقدميهم ، أسلم بعد فتح الطائف ، وكان تحته عشرة نسوة في الجاهلية ، وخبره والحديث مذكوران في (أسد الغابة 4 /172).
15- الحديث وشرحه في (النهاية في غريب الحديث 1 /327) والاسم ، السؤر وهو البقية .
16 – الحديث كله في صحيح مسلم 15 /212 ، وبعضه في النهاية 2 /486 ، اشتفُ : شرب جميع ما في الإناء ، كما فُسر بالإكثار من الشرب ، والشفافة : الفضلة التي تبقى في الإناء ، وكل ما جاء على وزن “فعالة” دل على بقية الشيء مثل “قلامة براية .
17- وفي ف : باق .
18-البيتان من قطعة في ديوان الشنفري 48 ، وهما الأغاني :21 /205 ، والحماسة البصرية 1 /94 ، مع اختلاف في الروايات .
19- الكلمة ساقطة من ق . ر .ف .
20 – الآية 76 القصص ، 28 ، تنوء بالعصبة ، تثقل الجماعة الكثيرة ، وتميل بهم .
21 – وفي الثلاث : لأن تقديره .
22- وفي ف : مفاتحه .
23- وفي ق : بالتحكيم .
24- ويسمى الالتفات : الاعتراض والاستدراك .
25 – إضافة مناسبة للسياق .
26- الآية : 29 يوسف 12 .
27- وفي ل و ف : لقب .
28- الوجار : بفتح الواو وكسرها جحر الضبع .
29- وفي ل : يختفي ، وفي ف : يتحفز .
30 : الكلمة ساقطة من ق .
31- فقالوا : احمق من الضبع ، أو من ضبع ، انظر : ثمار القلوب 402 ، جمهرة من الأمثال : 1 / 392 ، المستقصي 1/ 75 .
32- إضافة من الثلاث .
33 :الثؤور : الثأر ، أي المطالبة بدم القتيل ، وفي ف : السؤور .
34- وفي الثلاث : ذلك .
35 : وفي ق و ف : شذرناه ، وهو وهم ، وشذر النظم ، فصله بالخرز ، والشذر : خرز أو لؤلؤ صغير يُفصل به بين الجواهر في النظم ،واحدة : شذرة .
36 : وفي ق : سمط ، والسمط : الخيط مادام في اللؤلؤ منتظما فيه .
* راجعه واشرف عليه رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا
يتبع لاحقاً ..
طالع الحلقة السابعة :
دُرة الغواص في أوهام الخواص لقاسم بن على الحريري بين النقاد والمؤيدين
نقلاً عن تراثنا – العدد 98

تواصل مع تراثنا

