احتفالات إسلامية (الحلقة الثالثة) والأخيرة
في ضوء مشاهدات الرحالة أوليا جلبي

تراثنا – إبراهيم إبراهيم عبد الفتاح * :
يُعد الرحالة العثماني التركي الشهير أوليا جلبي واحداً من أعظم الرحالة المسلمين، وتُعد رحلته أحد أهم المصادر التي يُعَوّل عليها في دراسة البلدان التي ارتحل إليها، حيث يُقدم وصفاً دقيقاً ومُفصلاً لهذه البلاد وشعوبها.

في الجزء العاشر من كتابه التوثيقي المرجع “سياحتنامه” أو “كتاب السياحة” لمؤلفه الكاتب العثماني: أوليا جلبي ابن درويش محمد آغا ظلي ،نختتم في الحلقة الثالثة والأخيرة ، مشاهدات جلبي لوقائع احتفالات عيدي الفطر والأضحى في مصر خلال الفترة (1082هـ/1672م)، استغرقت نحو ثمان سنوات ، وفيها :
احتفالات في ظل الأمن

أثنى أوليا جلبي على بعض الظواهر التي لاحظها أثناء احتفال المصريين، وهو أنه لا يقدر أحدٌ من الأشقياء في تلك الأيام أن يُضايق أو يمد يده إلى النساء والصبية والغلمان الذين يجولون في الشوارع والحارات والمتنزهات أفواجا وجماعات.
كما ذكر أنه لم يُقابِل في تلك الأيام في هذا البحر الخضم الزاخر بمئات الألوف من الناس شخصاً ثملاً يُهدد الناس بسكين يحمله، وأن الناسَ إذا رأوا شخصاً ثملاً، ينهالون عليه ضرباً بعصيهم وركلاً بأرجلهم، ويقوم الناس بتسليم هذا الشخص الثمل إلى الشرطة، وتكون عقوبته النفي خارج البلاد، وذلك لأن شُرب الخمر والتجول في الشوارع في حالِ سُكرٍ أمرٌ مُشين عند المصريين، وينفرون منه أشد النفور، بالرغم ما فيهم من أمور كثيرة يلامون عليها -على حد تعبيره.
مشروب بوظة الأرز
لا يتوقف أوليا جلبي عند هذا الحد بل يُقدم لنا أيضاً معلومات عن المشروب الذي يشربه المصريون في هذه المناسبة، حيث يذكر أن الشراب الذي يُقدَّم للزوّار هو مشروب بوظة الأُرز، الذي يُسميه المصريون “سوبية”، وذكر أن هذا المشروب لونه أبيض كاللبن يتم تجهيزه قبل العيد بثلاثة أو أربعة أيام لهذه المناسبة من أُرز دمياط وفارسكور والمنزلة (مُدن تقع شمال مصر)، ويُضاف إليه السُكر والقِرفة والقُرنفل، ويصف هذا المشروب بأنه شراب مُقوّ نافع مُرطب ومُنعش ولا وجود له إلا في مصر.
ذبح 500 ألف أضحية

أما فيما يخص عيد الأضحى فيذكر أوليا جلبي أن الاحتفال به يُشبه الاحتفال بعيد الفطر المبارك إلا أن أفراحه أكبر من أفراح عيد الفطر ويتزاور فيه العلماء والمشايخ والفقراء من يوم عصر حتى عصر اليوم الثالث للعيد مُكبرين في الشوارع ومهنئين بعضهم بعضاً بقولهم: «في السنة القادمة تكون في عرفات إن شاء الله»، ويُشير أنه ذُبح في الفترة التي كان فيها كتخدا إبراهيم باشا مُتولي مصر خمسمئة ألف رأس من البقر والغنم والجاموس والإبل.
دراسة توثيقية للحياة العادية
يتبيّن مما سبق أنَّ أوليا جلبي قد استطاع أن ينقل صورةً حية لطبيعة احتفال المصريين بعيدي الفطر والأضحى في العصر العثماني، وتكتسب روايته لمظاهر الاحتفال هذه أهمية خاصة كونها توثّق جوانب احتفالية وحياتية نادراً ما أولتها المصادر التاريخية التقليدية عنايةً مماثلة، إذ انشغلت تلك المصادر غالباً بسرد الوقائع السياسية والإدارية على حساب المظاهر الاجتماعية والثقافية اليومية.
ومن ثمّ، تمثل روايته مادةً مكملة ذات قيمة كبيرة لدراسة الحياة الاجتماعية في مصر العثمانية .
طالع الحلقة الثانية :
المصريات يشترطن حضور احتفالات عيد الفطر عند عقد القران
*كاتب مصري
نقلاً عن تراثنا – العدد 97

تواصل مع تراثنا

