مستشرقون أنصفوا الإسلام
تاريخ فرنسة الرسمي كاذب .. وضعوه امام أعيننا وكأنه الحقيقة !

تراثنا – د .محمد بن إبراهيم الشيباني * :

(العباسة أخت الرشيد) ..هي إحدى روايات ضيفنا جرجي زيدان صاحب مجلة (الهلال) بمصر ، نقلها إلى الفرنسية ميشيل أفندي بيطار ، أحد أساتذة مدرسة اللغات الشرقية في باريس .
ونسق لغتها الإستاد شارل مونيه ، وقدم لها الأستاذ كلود فاربر مقدمة قال في أولها ما ترجمته : في سنة 732 للميلاد ( 114 هجري) حدثت فاجعة ربما كانت من أشأم الفجائع التي انقضت على الإنسانية في القرون الوسطى ، وكان منها أن غمرت العالم الغربي مدة سبعة أو ثمانية قرون إن لم نقل أكثر في طبقة عميقة على التوحش لم تبدأ بالتبدد إلا على عهد النهضة ، وكاد عهد الإصلاح يعيدها إلى كثافتها .

كلود فاربر
• انتصار شارل مارتل على كتائب العرب أشأم فاجعة غمرت الإنسانية مدة ثمانية قرون واغرقته بالتوحش .
• يكفي المرء أن يطوف في حدائق الأندلس ليشهد عواصم السحر والخيال في اشبيلية وغرناطة .
• ما عساها أن تكون بلادنا الفرنسية لو (أنقذها) الإسلام الصناعي الفلسفي السلمي المتسامح ..وهذا كله هو الإسلام .
• انتفخت أوربة بجثث الحروب الصليبية في حين كان العالم الإسلامي يزدهر تحت أعلام أربع دول سعيدة .
هذه الفاجعة التي أريد أن أمقت حتى ذكراها ، وأعني بها الغلبة المكروهة التي ظفر فيها على مقربة من بوابته برابرة المحاربين من الفرنج ، بقيادة الكرولنجي ( شارل مارتل ) على كتائب العرب البربر (المسلمين ) الذين لم يحسن الخليفة عبدالرحمن جمعهم على ما يقتضي من الكثرة ، فانهزموا راجعين أدراجهم .
عواصم السحر

في ذلك اليوم المشؤوم تراجعت المدنية ثمانية قرون إلى الوراء ، ويكفي المرء أن يطوف في حدائق الأندلس أو بين العاديات التي لا تزال بالأبصار مما يبدو من عواصم السحر والخيال إشبيلية وغرناطة وطليطلة ليشاهد والألم الغريب أخذ منه ، ما عساها أن تكون بلادنا الفرنسية لو أنقذها الإسلام الصناعي الفلسفي السلمي المتسامح – لأن الإسلام مجموعه كل هذا – من الأهاويل التي لا أسماء لها وكان منها أن أنتجت خراب (غاليا) القديمة التي استعبدها أولا لصوص أوسترازية (1) ثم اقتطع جزءاً منها قرصان النورمانديين ، ثم تجزأت وتمزقت وغرقت في دماء ودموع ، وفرغت من الرجال بما انبعث في أرجائها من الدعوة للحروب الصليبية ، ثم انتفخت بالجثث بما دهمها من الحروب الخارجية والأهلية الكثيرة العدد ، حدث ذلك علي حين كان العالم الإسلامي من نهر الوادي الكبير إلى نهر السند ، يزهر كل الأزهار في ظل السلام تحت أعلام أربع دول سعيدة ، الأموية والعباسية والسلجوقية والعثمانية .
التاريخ الحقيقي
ليس هذا فصلاً في التاريخ الرسمي من التاريخ الكاذب الذي تعلمه المختصرات لصغار الطلبة الفرنسيين في مدارسنا ، بل هو التاريخ الحقيقي الذي يتعلمه المرء بنفسه مما يجتازه من البحار ويقطعه من الأراضي ، ويقلبه من خزائن الكتب الأجنبية ، وليس هذا بعزيز على سائح يريد أن يثبت عقب رحله له ما يمس منه بأطراف إصبعه تلك الكذبة الكبرى السفيهة ، التي أراد معلمونا و لا يزالون يريدون وضعها أمام أعيننا كأنه حقيقة بل هي الحقيقة .

مسرة للعيون
إني لمعجب بأن أقدم لجميع الفرنسيين من أصحاب الإرادة الذين يتوخون نبذ الأوهام القديمة ،وليس لهم ولا فراغ لمباشرة رحلتين او ثلاث في الأرض للبحث عن الحقيقة – الحقيقة الناصعة – هذا الكتاب البسيط الذي يوفر عنهم الرحلة إلى بغداد ودمشق وإسبانية الجنوبية فيوحي إليهم كل الإيحاء ما هو مسرة للعيون والعقول ، ويصور لهم الصورة الحقيقية ، بل الصورة الطبيعية للإسلام في القرن السابع والتاسع ، ذاك الإسلام الذي قضى عليه الكارولنجي المتوحش ، ونبذه خارج فرنسة بضربات عظيمة من مطرقته ..(2)
هذا هو الإسلام
قلت (د .الشيباني ) : هذا هو الإسلام الذي فهمه المنصفون من الغربيين في شتي مراتبهم وأجناسهم بأنه دين رحمة وعلم وصناعة ونهضة وتطوير للإنسان والمجتمعات ، دين الحضرية والسمو والعلو والرقي .. وما على الإسلام من نعيق الغربان هنا وهناك ، فهو دين الله خاتم الأديان والرسل ، و سيرجع إلى سابق نهضته وعلوه في الأرض على أيدي من هم اولى به وهو أولى بهم من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ..
والله المستعان …
*اختيار ومراجعة وتعليق : رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا
هامش :
1 – اوسترازية أو مملكة الشرق هي مقابل نوسترية التي كانت تؤلف مملكة الغرب ، واوسترازية هي شطر عظيم من (غاليا) الإفرنجية تشمل توريخو دو جيات اليماني وبافيرة وفريز وجميع البلاد الواقعة بين أنهار الراين الموز والأسكوت ، وكانت عاصمتها متز وقد أسست هذه المملكة في أوربة سنة 511 م .
2- مجلة المقتبس 7/771 – 1320 هجرية ( 1912 ميلادية )

تواصل مع تراثنا
