احتفالات إسلامية (الحلقة الثانية)
في ضوء مشاهدات الرحالة أوليا جلبي

تراثنا – إبراهيم إبراهيم عبد الفتاح * :
يُعد الرحالة العثماني التركي الشهير أوليا جلبي واحداً من أعظم الرحالة المسلمين، وتُعد رحلته أحد أهم المصادر التي يُعَوّل عليها في دراسة البلدان التي ارتحل إليها، حيث يُقدم وصفاً دقيقاً ومُفصلاً لهذه البلاد وشعوبها.

من كتابه التوثيقي الموسوعي ، المعروف ب ” “سياحتنامه” أو «كتاب السياحة” لكاتبه أوليا جلبي ابن درويش محمد آغا ظلي ، وقع اختيارنا على رحلته إلى مصر في الجزء العاشر من الكتاب ،
زار جلبي مصر سنة 1082هـ/1672م، ومكث فيها نحو ثمان سنوات، أي إلى سنة 1090هـ/1680م في مهمة رسمية من السلطان للوالي العثماني في مصر إبراهيم باشا ، حيث رصد بدقة احتفالات عدة للمصريين ، منها الاحتفال بعيد الاضحى المبارك ، فوصف تلك الاحتفالات بالقول :

الزوجة تشترط في العقد حضورها الأحتفالات
أما فيما يخص الاحتفال بعيد الفطر المبارك ، أحد الاحتفالات الدينية التي كانت تُقام في مصر خلال العصر العثماني، فيصف أوليا جلبي هذا الاحتفال بأنه من أعظم الاحتفالات التي كانت تُقام في مصر آنذاك، والتي تستمر لثلاثة أيام مليئة بالبهجة والفرح والسرور، يتزين فيها الناس كلهم ، وبحسب قوله فإن خروج النساء للاحتفال بهذا العيد كان أحد الشروط التي كانت تضعها النساء أثناء عقد زواجهن، حتى لا يمنعهن أزواجهن من الخروج، ويضيف أن شرط الخروج للاحتفال الذي تشترطه الزوجة لا يدخل فيه حق المبيت خارج البيت.
فرقة موسيقية تعزف في الميدان
تبدأ الاحتفالات بالعيد من آخر يوم في شهر رمضان، حيث يقيم مهتر باشى الباشا (رئيس الفرقة الموسيقية) سُرادقاً عظيماً في ميدان السراي (ساحة قصر الباشا) للاحتفال بالعيد، وهذا الميدان يقع داخل قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة، وهو ميدان – حسب وصفه – مساحته الدائرية ألف خطوة، وبجوانبه الأربعة حُجر أغوات الباشا ومسجد الدُهيشة، ويشرف عليه أيضا مقر الكتخدا والمحافظ ومنزل الجاشنكير، ورئيس الخزنة وديوان السلطان قايتباي والسلطان الغوري، يُقيم رئيس الفرقة الموسيقية مظلة لأفراد فرقته الموسيقية، ويُزَين ميدان السراي بحبال الخيم والسرادقات التي يتصل بعضها ببعض، ويأتي رئيس الفرقة الموسيقية في تلك الليلة مع أربعين من رجال فرقته ومعهم الطبول العثمانية، فيحيى الليلة في عزف المقطوعات الموسيقية في اثني عشر مقاماً حتى مطلع الفجر، ويُقَدَّم إلى كلِ الحاضرين القهوة والمشروبات والبخور.
صلاة العيد في قصر الباشا

يُصلي الباشا صلاة فجر العيد في قَصرِه، وتُفرش ساحة القصر بالحصير ويُصلى فيها جميع الأشراف والأعيان وأرباب الديوان سنة الفجر، ثم يقيم مؤذن القصر الصلاة، ويقوم إمام القصر بأداء ركعتي الفجر ويُتمها بتلاوة آيات تدور حول العيد الشريف، كقوله تعالى: «رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ»، وغيرها من الآيات الكريمة، ثم يأتي الفراشون فيرفعون الحُصر والبسط، ويقف كل أرباب الديوان كلٌ منهم في مكانه حسب رتبته، كما يقف كتخدا الباشا واثنا عشر ضابطاً من الضباط، وعندئذ يخرج الباشا من قصره بعظمة وجلال على رأسه عمامة مزينة ومُرصعة بالجواهر، فيسعى إلى ديوان قايتباي، وهو مفروش بالرخام أقيم سقفه المُذهب والمزخرف على خمسة عشر عموداً من الرخام، ويُصعد إليه من ميدان السراي بسُلم صخري من خمس وعشرين درجة، ثم ينزل منه ليمتطي صهوة جواده، متوجهاً إلى ديوان السلطان سليم خان في موكبً عظيم يتقدمه المُحتسب والصوباشي (رئيس الشرطة).
استقبالات الباشا للتهنئة بالعيد
وما أن يجلس الباشا على عرش السلطان سليم خان حتى تُقرع الطبول كما لو كانت تُقرع في الحرب، ويستقبل الباشا قبل كل الناس الباشا أمير الحج والباشا القائمقام والباشا الدفتردار ثم سائر الأمراء فيصافحهم ثم يخرجون ويدخل عليه بعد ذلك أربعون أميراً من أمراء الجراكسة وكتخدا الجاويشية والأغا الترجمان وسائر شيوخ أرباب الديوان.
مأدبة غداء بأثنى عشر ألف صحن !

بعد ذلك يركب الباشا جواده ويتجه إلى جامع قلاوون يتقدمه جميع الأغوات على خيولهم، يصل الباشا في موكبه المهيب إلى مسجد السلطان قلاوون وقت شروق الشمس، فتُقام ركعتا العيد، ويُلقي الخطيب خطبة العيد، وأثناء الخطبة يقوم خُدَّام الباشا بتبخير
المسجد بالعود والعنبر، وبعد فراغ الخطيب من دُعائه يُصافح الباشا الخطيب والعلماء ويمنحهم أموالاً كثيرة ثم ينصرف الباشا مُتوجهاً إلى ديوان الغوري الذي كان يتسع لعشرة آلاف شخص، حيث يقيم هناك في ساحة الديوان مأدبة طعامٍ عظيمة، يُقدم فيها اثني عشر ألف صحنٍ من الطعام، يذكر أوليا جلبي أن التحضير لهذه المأدبة كان يستغرق خمسة أيامٍ بلياليها.

هذا فيما يخص الاحتفال الرسمي بعيد الفطر، أما في يخص الاحتفالات الشعبية فيذكر أوليا جلبي أن آلافاً من الألعاب الخاصة بالأطفال كالأراجيح والخيول الخشبية وغيرها تُنصب في ميادين القاهرة كميدان الرُميْلة وقرا ميدان ومصر القديمة وبولاق وخارج باب النصر وحي عابدين، ويذكر أن الناس يتزاورون فيه جماعات جماعات ويتبادلون التهاني والتبريكات، ويلبس الناس فاخر ثيابهم ويمتطي فيه الفتيان جيادهم لابسين سراويل حمراء.
طالع الحلقة الأولى :
احتفالات مصر بعيدي الفطر والأضحى في ضوء مشاهدات الرحالة أوليا جلي
*كاتب مصري
يتبع لاحقا ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 97

تواصل مع تراثنا

