الحلقة الأولى
التراث الطبي والإسلامي

تراثنا – هشام إسماعيل عدرة :

يحفل تاريخنا العربي والإسلامي، بإنجازات كثيرة في مختلف مجالات العلوم الإنسانية والتطبيقية، ويأتي في طليعة هذه العلوم، الاهتمام بالعلوم الطبية، حيث سبق علماؤنا الأوائل عصرهم من خلال إنجازاتهم الكثيرة في مجالات الطب المختلفة، وها هي مخطوطاتهم وكتبهم تشهد على ذلك والتي تضم معلومات غزيرة بَقِيَ الغرب يتداولها قروناً طويلة، ويدرّسها في أرقى جامعاته ومعاهده الطبية.
لقد عَرَّفَ العرب الطب بأنه «حفظ الصحة موجودة وردها مفقودة « وكما هو معروف فقد كان الطب في العصور الوسطى صناعة نبيلة لا يسمح بتعاطيها إلاّ لمن حصل على خبرة واسعة، عالماً بالتشريح وعالماً بوظائف الأعضاء، خبيراً بالنبض، محيطاً بجميع العلوم التي لها صلة قريبة أو بعيدة بالطب؟!.. فأسسوا (البيمارستانات) وكانت البيمارستانات تُعالج المرضى بالموسيقا وضوء النهار وصوت الماء وبنظام متطوّر لتكون (مشافٍ عامة) للمرضى وأماكن للعلاج والنقاهة وتؤكد المصادر التاريخية ومنها (خطط) المؤرخ العربي الإسلامي ( المقريزي) أنّ أول بيمارستان في العالم الإسلامي كان في مدينة دمشق بأمر من الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك عام 88هـ/ 707م وإن هذا الخليفة وظّف فيه عدد من الأطباء وأجرى عليهم الأرزاق كما أمر بحبس المجذومين فيه لئلا يخرجوا وأجرى عليهم وعلى العميان والمقعدين الأرزاق ويروي (الطبري) في تاريخه أن (الوليد) أعطى لكل مُقْعَدْ خادماً، ولكل ضرير قائداً.
إسهامات الأطباء المسلمين
إنّ إسهامات واكتشافات أطبائنا العرب والمسلمين في ميادين الطب والتداوي بالأعشاب كثيرة، وجزء منها يتعلق بإسهاماتهم في مجال الطب الجراحي الذي برع فيه العديد منهم، ويأتي في مقدّمتهم (الزهراوي والرازي والتميمي وابن سلّوم الحلبي وصلاح الدين بن يوسف الكحّال الحموي وابن زهر الأندلسي وابن النفيس وآخرين كثر)..
ابن سينا وحصوات الكلى

وكا هو معروف فالطب الجراحي علم واسع ودقيق، والدخول فيه يحتاج لخبرة ودراية كبيرة التي لم تنقصهم، وعلى سبيل المثال فإن الطبيب (أبو بكر الرازي) في كتابه (حصوات المثانة والكلي) يشير إلى ضرورة المداخلة الجراحية لاستئصال الحصاة إذا ما تتابعت أدوار المرض على الرغم من المعالجة الطبية، ولذلك يُعتبر (الرازي) أول طبيب عربي أولى فن الجراحة عناية خاصة فبين كيف أن عدداً من الأمراض عند الانسان لا يمكن شفاؤها إلاّ بالجراحة كذلك في مجال الاستئصال الجراحي
ابن زهر الأندلسي وجراحة الرئة
يشير الطبيب (ابن زهر الأندلسي) في كتابه (التيسير) إلى جراحة الجهاز البولي واستئصال الكلية وكذلك قام بمعالجة أمراض المنصف الصدري وخاصة التهاباته التي تؤدي أحياناً إلى تكوين خراج يؤذي الوظائف التنفسية، فقد أشار ابن زهر إلى ما كان يلجأ إليه لشق هذا الخراج كما أنه في كتابه المذكور أورد كيفية المداخلة الجراحية على قصبات الرئة.
الزهراوي وأول كتاب جراحة
من جهته (الزهراوي) الطبيب الجرّاح كان له منجزات كثيرة في مجال فن الجراحة، ويمكن معرفة هذه الإنجازات من خلال كتابه القيّم (التصريف) الذي يعتبر أول كتاب في فن الجراحة مرفقاً بالصور والأشكال، وقد ترجم الكتاب إلى الفرنسية من خلال الدكتور (لوكرلك) عام 1863، حيث يوجد في المكتبة الوطنية في باريس عدة نسخ مترجمة للغة الفرنسية عن هذا الكتاب وتسمى النسخة الفرنسية منه (جراحة أبي القاسم).
ابن حيان والتخدير المنوم
ومن المعروف هنا أيضاً أن (جابر بن حيّان) كان من الأوائل الذين استعملوا الاسفنج المنوّم في التخدير وقد نقل ذلك عنه الجرّاح البولوني (نيودوريك) في القرن الثالث عشر الميلادي كما أن (ابن عزوز المراكشي ـ أبو محمد عبد الله بن عزوز القرشي الشاذلي المراكشي ) المتوفي سنة 1789م) قد استعمل الحشائش النباتية لأول مرّة في التخدير.
يتبع لاحقاً ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 98

تواصل مع تراثنا

