الحلقة الأولى
نفحات من التاريخ الإسلامي

تراثنا – مأمون عبد اللطيف الرحال * :
ما أن فتح السلطان سليم الأول للشام عام1516م ودخل مدينة دمشق بعد انتصاره على المماليك في معركة مرج دابق ثم دخوله مصر عام 1517 بعد هزيمة المماليك في معركة الريدانية وتحولها إلى ولاية عثمانية توسع الاحتلال العثماني للبلاد العربية تدريجياً ليشمل معظم الأراضي العربية في الحجاز والعراق والجزائر، وتونس، وطرابلس محولاً الأقاليم العربية إلى ولايات تتبع القسطنطينية وموفرة لها حماية من الأطماع الأوروبية.

امتازت فترات الاحتلال العثماني الأولى بالقوة والسيطرة المباشرة وشهدت المدن العربية خلالها نهضة عمرانية خاصة في مدينتي دمشق والقاهرة .
تراجع الهيبة العثمانية

ثم تراجعت هيبة الدولة العثمانية وأصابها الوهن والضعف خاصة بعد الحملة الفرنسية على مصر والتي استمرت من عام (1798 حتى عام 1801م تزايدت خلالها المشاكل، وزادت المطالب العربية بالاستقلال لينتهى الحكم العثماني فعلياً بسقوط الدولة في نهاية الحرب العالمية الأولى ولتتفكك البلاد العربية وتخضع للانتداب البريطاني والفرنسي حيث كانت تحاك في الخفاء معاهدة سايكس بيكو لاقتسام البلاد العربية بين فرنسة وبريطانية ولاحقاً روسيا بعد خروج الأتراك منها .
وعود فرنسية وانجليزية للعرب
في الوقت الذي كان فيه الفرنسيون والبريطانيون يقدمون وعودهم للعرب بقيادة الشريف حسين بالاستقلال عن الدولة العثمانية إن هم شاركوا بإخراج الأتراك من البلاد العربية فقد عجزت كل وسائل الإغراء المادي التي قدمتها بريطانية والتنظيمات الصهيونية للسلطان عبد الحميد الثاني في التخلي عن شبر من أراضي فلسطين لإقامة دولة لليهود عليها حيث عارض بشدة محاولات الحركة الصهيونية لشراء فلسطين، ورفض عروض هرتزل المالية للقيام بذلك، وقاوم الاستيطان وكان مصراً على منع الهجرة اليهودية إلى فلسطين بأي ثمن،فأصدر إرادتين سلطانتين بـ : عدم قبول الصهاينة في الممالك الشاهانية (الأراضي العثمانية) وإعادتهم إلى الأماكن التي جاؤوا منها.
مؤامرات اليهود

عندها أدرك قادتهم في نهاية المطاف صلابة وثبات موقف السلطان عبد الحميد الثاني تجاه أرض فلسطين وأنه لا سبيل لذلك إلا بالتخلص منه أو تنحيته عن العرش فبدأ اليهود مؤامراتهم بإشاعة الفوضى والتظاهرات والاحتجاجات والدسائس لإجبار السلطان على التنحي فتم لهم ذلك بعد “ثورة تركية الفتاة” عن طريق عزله عام 1909 وتم نفيه إلى سالونيك، ثم عاد إلى إسطنبول وتوفي فيها عام 1918.
السلطان ووحدة البلاد
كان السلطان عبد الحميد الثاني آخر سلاطين الدولة العثمانية وأعظمهم وأكثرهم ايماناً بأهمية وحدة البلاد الإسلامية وتقاربها عن طريق ربطها حيث يقول:“يجب تقوية روابطنا ببقية المسلمين في كل مكان، يجب أن نقترب من بعضنا البعض أكثر وأكثر؛ فلا أمل في المستقبل إلا بهذه الوحدة، ووقتها لم يحن بعد، لكنه سيأتي اليوم الذي يتحد فيه كل المؤمنين وينهضون نهضة واحدة ويقومون قومة رجل واحد….”.
مشروع سكة الحديد

أدرك السلطان عبد الحميد الثاني أهمية السكك الحديدية ومدى تأثيرها الكبير على اقتصاد الدولة العثمانية وقوتها العسكرية وحياتها السياسية ووحدة بلادها الإسلامية وتقريبها من بعضها من خلال ربطها بشبكة متفرعة من السكك الحديدية ترافقها شبكة ممتدة على جوانبها من أسلاك وأعمدة التلغراف فشجع على بناء هذه الشبكة في الدولة العثمانية واقاليمها محاولاً استقطاب بعض الدول الأجنبية من خلال منحها امتيازات لإنجاز هذا العمل الوطني الكبير والذي ستتجلى أولى فوائده في خدمة جمهور المسلمين وزيادة أعداد الحجيج وتسهيل أداء فريضة الحج مختصراً لهم طول المسافة وزمن المسير ومشقة الرحلة فقد كانت دمشق مركزا للانطلاق نحو الديار المقدسة إذ تجتمع وفود الحجاج من الأصقاع الإسلامية لتبدأ رحلة مشقات ومكابدات طويلة تصل إلى خمسين يوما في الذهاب ومثلها في الإياب ناهيك عن الأخطار التي يواجهها موكب الحج على طريق القوافل من فيضانات وسيول في الشتاء، وأشعة شمس حارقة في الصيف إضافة إلى هجمات اللصوص وقطاع الطرق وغارات البدو.
والي دمشق أميراً للجج
وأمام هذه المخاطر كان على والي دمشق الذي يُعَيَّن أميرا للحج من قبل السلطان العثماني تأمين سلامة الموكب الذي يصل طوله في بعض المواسم إلى أكثر من أربعة كيلو مترات ومرافقته طوال المسافة التي تتجاوز 1500 كيلو متر، ونحو 490 ساعة مسير مقسمة إلى 40 محطة، وتأمين حراسته بعشرة آلاف جندي من المشاة والفرسان والهجانة .
*كاتب من سورية
يتبع لاحقا ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 98

تواصل مع تراثنا

