الحلقة الثالثة والأخيرة
تحفةٌ هندسية تعكس عظمة الحضارة الإسلامية

تراثنا – بقلم: أ.م. د .محمد أحمد عنب *:
في قلب مدينة فاس، حيث يمتزج عبق التاريخ بجمال العمارة الإسلامية، تقف المدرسة البُوعنانية شاهدةً على إبداع حضارة أبهرت العالم، تُعدّ هذه المدرسة أكثر من مجرد صرحٍ تعليمي، فهي تُحفة فنية تجمع بين روعة التصميم المعماري والإبداع الفني .

في الحلقة الثالثة والأخيرة ،تختمم تراثنا بحثها حول الساعة المائية التي ألحقت بالمدرسة العنانية في المغرب – تأسست في القرن الرابع عشر الميلادي- في عهد السلطان المريني ، فكانت تحفة عصرها ،لمواصفاتها الإبداعية التالية :
وصف الساعة المائية

وصف الساعة المائية في المدرسة البُوعنانية وآلية عملها: تُعدّ هذه الساعة تُحفةً فنية وهندسية استثنائية، وُصِفَت هذه الساعة في عام1366م وصفًا دقيقًا من قِبل المؤرّخ المَغربي علي الجزنائي، وهي تطل على طريق المارة عبر واجهة مكوّنة من سلسلة أطباق من النحاس عددها ثلاثة عشر محمولة على أطراف عارضات من خشب الأرز منقوشة بزخارف تُشبه الزخارف التي تُزيّن فناء المدرسة، ويعلوها ثلاثة صفوف من النوافذ وصف من الطيور المجوفة، ويستقبل كل طبق كرة معدنية تسقط مربوطة بخيط يمر عبر الثقب الموجودة في العارضات الحاملة للأطباق النحاسية، وكان هذا الخيط المتصل بالكرة يحركها بآلية تقنية مازال العلماء يحاولون تفسيرها.
ويُحدث سقوط الكرة على الطاسة رنة تكون إشارة إلى بداية كل ساعة من ساعات النهار(8)، وفي نفس الوقت تُفتح إحدي النوافذ وتبقى مفتوحة بحيث يُمكن للمارة القادمين إلى المنطقة والذين لم يتمكنوا من سماع صوتها يمكنهم معرفة الساعة من خلال النوافذ المفتوحة، مِما يُضفي عليها طابعًا مُميّزًا من حيث الأداء والبنية، وهذه الساعة تُشبه الساعة المائية الموجودة بدمشق والمصنوعة في ق12م من طرف والد المهندس المعروف رضوان ابن الساعاتي والتي وصفها الرحالة الأندلسي ابن جبير(9).
نظام معقد
وتعتمد آلية عمل هذه الساعة على مبادئ فيزيائية دقيقة ترتبط بحركة السوائل وضغطها، فتتكوّن الساعة من نظام معقد من الأواني المتصلة التي تنقل المياه بشكلٍ منتظم لتحقيق قياس دقيق للزمن، ويبدأ التشغيل بملء الإناء العلوي بالماء، الذي ينساب تدريجيًا عبر قنوات صغيرة إلى أوانٍ سفلية وفق معدلات ثابتة تضمن توزيعًا متساويًا للزمن، وكانت هذه التقنية تعتمد على مبدأ الجسم الطافي الذي يسمح انسياب كمية الماء المناسبة بانتظام، ويجب أن يكون انسياب الماء متغيرًا حسب طبيعة وحدة القياس المستعملة: ساعات زمنية أو ساعات وقتية، وهذا يُضفي على النظام مرونةً كبيرة في ضبط الوقت بدقة
تنظيم الأنشطة اليومية
وتم تجهيز الساعة بمؤشرات زمنية مرئية، مثل الأقراص أو العلامات، التي تتحرك استجابةً لتغيّر مستوى الماء، ومع مرور الوقت، يُحدث تدفُّق المياه حركة ميكانيكية تؤدي إلى تغيّر موضع المؤشرات، مما يُظهر التقدم الزمني بشكل دقيق، وهذا النظام المائي يعمل بتناسق تام بين التدفق والجاذبية، ما يعكس فهمًا عميقًا لقوانين الطبيعة، وقد صُممت الساعة لتكون مرئية للجميع، مما يُسهم في تنظيم الأنشطة اليومية، خصوصًا تحديد أوقات الصلاة، ما يُؤكّد دورها الحيوي في الحياة الاجتماعية والثقافية.
رمز الأبداع
وأخيرا، تظل المدرسة البُوعنانية رمزًا خالدًا للإبداع والابتكار الذي صاغ معالم الحضارة الإسلامية وأسهم في إثراء التراث الإنساني، وتُعد هذه الساعة المائية المرتبطة بها انجازًا عِلميًا وهندسيًا فريدًا، يجمع بين الدقة التقنية والجمالية الوظيفية، مما يجعلها علامة فارقة في تاريخ العمارة والهندسة، هذا الإنجاز يُبرز أحد أبرز إسهامات الحضارة الإسلامية في مجالات العلوم والهندسة، ويظل شاهدًا حيًا على التقدم العلمي والفكري الذي ازدهر في تلك الحقبة، لم تكن الساعة مجرد أداة لقياس الزمن، بل رمزًا لعبقرية العلماء والمهندسين وقدرتهم على تطبيق المبادئ الفيزيائية والهيدروليكية لتحقيق أهداف عملية وجمالية متكاملة.
الهوامش
(1) الناصري أحمد: الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج 3، ص 205-206.
(2) ابن الخطيب : رقم الحلل في نظم الدول، ص 84.
(3) ابن بطوطة : محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، رحلة ابن بطوطه، ج 4، ص 315.
(4) بكلي محمد رضا وآخرون: جوانب من تقنيات التوقيت وأدوات الرصد في المغرب الإسلامي، ص 25-26 .
(5) بكلي محمد رضا وآخرون، جوانب من تقنيات التوقيت، ص 25-26.
(6) محمد بن عبد العزيز بنعبد الله، الماء في الفكر الاسلامي والأدب والعربي، ج4، ص 368-370.
(7) عثمان عثمان اسماعيل، تاريخ العمارة الإسلامية والفنون التطبيقية بالمغرب الأقصى، ج4، عصر الدولة المرينية ودولة بني وطاس، ص 394- 397.
(8) عبد اللطيف بن رجو، العمل الإجتماعي في عهد الدولة المرينية 1244-1465م، ص 453.
(9) علي الجزنائي، جني زهرة الآس في بناء مدينة فاس، ص 53
طالع الحلقة الثانية :
الساعات المائية في التاريخ والعالم الإسلامي
نقلاً عن تراثنا – العدد 97

تواصل مع تراثنا

