الحلقة الثانية
تحفةٌ هندسية تعكس عظمة الحضارة الإسلامية

تراثنا – بقلم: أ.م. د .محمد أحمد عنب * :
في قلب مدينة فاس، حيث يمتزج عبق التاريخ بجمال العمارة الإسلامية، تقف المدرسة البُوعنانية شاهدةً على إبداع حضارة أبهرت العالم، تُعدّ هذه المدرسة أكثر من مجرد صرحٍ تعليمي؛ فهي تُحفة فنية تجمع بين روعة التصميم المعماري والإبداع الفني .

استعرضت تراثنا في الحلقة السابقة ، المدرسة العنانية في المغرب التي تأسست في القرن الرابع عشر الميلادي في عهد السلطان المريني ،حيث تعد الساعة المائية التي ألحفت بالمدرسةانجازاً حضارياً لافتاُ في تصميمها .
ونستكمل في هذه الحلقة جانب من الساعات المائية في التاريخ التي تعكس محاولات تقدير الوقت وقياسه :
الساعات المائية واهتمام المرينيون بإنشاءها:
ظهرت الساعات المائية، المعروفة أيضًا بـ”بنكامات الماء”، كواحدة من أقدم الوسائل لقياس الزمن في العصور القديمة، وقد استخدمتها العديد من الحضارات القديمة قبل ظهور الساعات الميكانيكية.

ويُقال إن الفيلسوف اليوناني أفلاطون كان أول من اخترع الساعة المائية التي تصدر صوتًا لإيقاظه في الصباح، ويُرجّح المؤرخون أن نشأة الساعات المائية تعود في الأصل إلى مصر القديمة، حيث يحتفظ المتحف المصري بالقاهرة بأقدم نموذج لها، والذي يعود إلى عهد الملك أمينوفيس الثالث(190-1353 ق.م) (5).

وقد استخدم الإغريق والرومان الساعات المائية، وأطلقوا عليها عليها اسم كليبسيدرا (Clepsydra، أي الساعة المائية، وكانوا يستعملونها لتحديد زمن الخطب التي تلقي في ساحات المحاكم، وجاءت فكرة تصميمها استجابة لحاجة الناس إلى معرفة الوقت أثناء الليل أو في الأيام الملبدة بالسحب، حيث كان الاعتماد على قياس الزمن بضياء الشمس والظلال أثناء النهار فيما يُعرف بالساعات الشمسية، ومن هنا ظهرت صناعة الساعات المائية والرملية لتلبية هذه الحاجة.

المسلمون وتطوير الساعة المائية
وقد اهتم المسلمون بتطوير آلات تحديد الوقت، واستفادوا من العلوم السابقة المتعلقة بها، ولم يكتفوا بتبنّي الأفكار القديمة فحسب، بل قاموا بتحسينها وابتكار نماذج تتلاءم مع احتياجاتهم العلمية والدينية، وكان هذا الاهتمام جزءًا من ازدهار الحضارة الإسلامية التي جمعت بين الإرث العلمي السابق وإبداعاتها المُميّزة، وهو ما انعكس على اهتمام المرينيين بإنشاء الساعات المائية وتطويرها لتكون أدوات دقيقة ومتقنة(6).
والحقيقة إن أهل المغرب بشكل خاص كانوا حريصين على إقامة فروض الدين الإسلامي وأداء صواتهم في أوقاتها الصحيحة على أكمل وجه، ولتحقيق ذلك، ابتكروا وسائل متعددة لمعرفة الأوقات، مثل الساعات الرملية والشمسية والمائية، وقد ساعدت هذه الآلات في تقسيم اليوم إلى ساعات محددة، ومن أقدم الساعات التي عرفتها بلاد المغرب، ساعات عصر الأدارسة وزناتة، والتي استمرت في العمل داخل قبة الصومعة بجانب جامع القرويين، وقد بُنيت هذه القبة على يد الأمير أحمد بن أبي بكر الزناتي عام345هـ، وظلت رمزًا لتطور علم التوقيت في بلاد المغرب.
تسهيل الحياة اليومية

وقد أولى المرينيون اهتمامًا خاصًا بضبط أوقات الصلاة وإعلام الناس بمواقيت اليوم لتسهيل حياتهم اليومية وتنظيم علاقاتهم الاجتماعية، وقد أنشأوا مبنى خاصًا للمؤقتين يُعرف بـ”دويرة المؤقتين”، وكان هذا المبنى متصلًا بصومعة جامع القرويين لضمان دقة عملهم. وقد ورد ذكر هذا المبنى في حجج الأوقاف باسم ” دار المنجانة”.
ولاحقًا، نقل السلطان المريني أبو عنان فكرة إنشاء الساعات وآلات التوقيت إلى خارج المساجد والمدارس، لتكون متاحة لخدمة المجتمع بأكمله، ويعكس هذا التطور رؤية حضارية متقدمة للمرينيين، الذين سعوا إلى تحسين جودة الحياة وتيسيرها من خلال المزج بين العلم والاحتياجات اليومية (7).
هوامش :
(5) بكلي محمد رضا وآخرون، جوانب من تقنيات التوقيت، ص25-26.
(6) محمد بن عبد العزيز بنعبد الله، الماء في الفكر الاسلامي والأدب والعربي، ج4، ص368-370.
(7) عثمان عثمان اسماعيل، تاريخ العمارة الإسلامية والفنون التطبيقية بالمغرب الأقصى، ج4، عصر الدولة المرينية ودولة بني وطاس، ص394-397.
طالع الحلقة الأولى :
الساعة المائية بالمدرسة البوعنانية في مدينة فاس المغربية ودقة الابتكار
يتبع لاحقاً ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 97

تواصل مع تراثنا

