• Post published:السبت 16 شوال 1447هـ 4-4-2026م

4-4-2026

الحلقة الأولى 

تحفةٌ هندسية تعكس عظمة الحضارة الإسلامية

 

المدرسة البوعنانية في فاس بالمغرب
المدرسة البوعنانية في فاس بالمغرب

 

تراثنا – بقلم: أ.م. د .محمد أحمد عنب * :

 

في قلب مدينة فاس، حيث يمتزج عبق التاريخ بجمال العمارة الإسلامية، تقف المدرسة البُوعنانية شاهدةً على إبداع حضارة أبهرت العالم، تُعدّ هذه المدرسة أكثر من مجرد صرحٍ تعليمي؛ فهي تُحفة فنية تجمع بين روعة التصميم المعماري والإبداع الفني .

 

د . محمد أحمد عنب ج جامعة الفيوم
أ .م .د . محمد أحمد عنب 

 

تحتل المدرسة مكانةً بارزةً بين مدارس فاس العتيقة التي ازدهرت خلال فترة الحكم المريني، وتتميّز بمعالمها الهندسية الفريدة، أبرزها الساعة المائية التي تُعدّ واحدة من أهم الابتكارات الهندسية في تاريخ الحضارة الإسلامية، تُجسّد الساعة المائية دليلًا حيًّا على التقدم العلمي والتكنولوجي الذي بلغه المسلمون في تلك الحقبة التاريخية.

منظومة معمارية متكاملة 

 

جانب من المدرسة البوعنانية في فاس بالمغرب
جانب من المدرسة البوعنانية في فاس بالمغرب

وقد أُنشئت هذه الساعة كجزءٍ من منظومة مِعمارية مُتكاملة، تخدم أغراضًا عِلمية ودِينية واجتماعية، ما جعلها أنموذجًا متفردًا في الجمع بين الإبداع الوظيفي والجمال الفني، وتعتمد فِكرة عمل الساعة على مبادئ عِلمية دقيقة ترتبط بحركة المياه وانسيابها، مما يُبرز فهمًا متقدمًا لقوانين الهندسة والفيزياء لدى علماء المسلمين.

تاريخ المدرسة وإنشاء الساعة المائية 

 

 تأسّست المدرسة البُوعنانية في القرن الرابع عشر الميلادي، وسُميت المدرسة بالبُوعنانية أو العنانية نسبةً إلى مؤسّسها السلطان المَريني أبو عنان فارس(1351-1356م) يرحمه الله، والذي اشتهر بشغفه بالعلم ودعمه للعلماء، كما عُرفت أيضًا بالمدرسة المتوكلية نسبةً إلى لقب السلطان أبو عنان، المعروف بـ”المتوكل على الله”، واختار السلطان موقعًا استراتيجيًا للمدرسة يجمع بين رمزية المكان وأهميته العملية، حيث بُنيت في منتصف الطريق بين مدينة فاس الجديدة، التي كانت مقر السلطان ومركز السلطة، ومدينة فاس القديمة، حيث يقع جامع القرويين، أحد أبرز مراكز العلم والدين في العالم الإسلامي(1).

 

تحفة في الهندسة المعمارية الأندلسية 

 

وتُعدّ المدرسة البُوعنانية آخر وأهم مدرسة شُيّدت في عهد المرينيين، وتُمثّل تحفةً فنية نادرة في فن الهندسة المِعمارية العربية الأندلسية، وقد بدأ العمل على إنشائها في28رمضان751هـ/29نوفمبر1350م، واستمر البناء لمدة خمس سنوات حتى اكتمل في أواخر شعبان من عام756هـ/8 سبتمبر1355م، تم بناء المدرسة تحت إشراف ناظر الأحباس أبو الحسن بن أحمد بن الأشقرن، واختير لها موقع استراتيجي بالقرب من قصر الحكم المريني في منطقة سوق القصر، الذي يُعرف اليوم بحي الطالعة الكبرى، وتميّزت المدرسة بطرازها المِعماري الرائع، الذي يجمع بين التصميم الإسلامي التقليدي والابتكار الهندسي، مِما جعلها أنموذجًا فريدًا للجمال المعماري في تلك الحِقبة، وقد شُيدت المدرسة لتكون مركزًا تعليميًا ودِينيًا شاملًا، حيث ضمت مسجدًا، ومدرسة، وسكنًا للطلاب وعددًا كبيرًا من الملحقات الأخرى، فأصبحت المدرسة البوعنانية ليست فقط صرحًا معماريًا مُميّزًا، بل أيضًا مؤسّسة علمية ودينية متكاملة خدمت المجتمع المريني وأسهمت في ازدهار الحضارة الإسلامية(2).

 

الساعة المائية

 

صانع تقليدي في ابوفاس بالمغرب يعيد إحياء نموذج للساعة المائية البوعنانية
صانع تقليدي في ابوفاس بالمغرب يعيد إحياء نموذج للساعة المائية البوعنانية

 

الابتكار الهندسي البَارز في المدرسة البُوعنانية؛ تُعتبر هذه الساعة واحدةً من أبرز المُلحقات التي أُضيفت إلى المدرسة البُوعنانية، وتعدّ رمزًا للإبداع العلمي والهندسي في العصر المَريني، وأشار إليها الرحالة الشهير ابن بطوطة (ت.779هـ/1368م) في رحلته الشهيرة وذكر أنها وُضعت على جدار خارجي مقابل لباب المدرسة الرئيسي في مواجهة السوق لتخدم المجتمع بأسره، مِما يعكس دورها كوسيلة علمية واجتماعية ذات أهمية كبيرة(3)، وقد صُنعت هذه التحفة الهندسية على يد المؤقت التلمساني أبو الحسن علي، المعروف بابن الفحّام، الذي أشرف على إنشائها بأمرٍ من السلطان أبي عنان عام1357م، أثناء وجوده في تلمسان(4)، وقد أشار المؤرخون إلى أن تكلفة تصميم وبناء الساعة المائية كانت باهظةً للغاية، إلا أن السلطان المَريني أبو عنان لم يُبالِ بحجم النفقات التي أُنفقت عليها لتصميمها المعماري والهندسي الفريد، والذي ألهم الشعراء والكُتّاب، فأشادوا بجمالها ودِقة صناعتها، وتغنّوا بأبياتٍ رائعة تُبرز جمالها وروعة تصميمها، ومن أمثلة ما قيل فيها:

 

 

أنقر للمشاهدة

 

تلفزيون قديم

 

روحٌ من الماءِ في جسمٍ من الصُّفَرِ مولَّدٌ بلطيفِ الحُسنِ والنَّظرِ

 

مُستَعْبِرٌ لم يَغِبْ عن عينِهِ سَكَنٌ ولم يُبِثَّ من ذوي ضغنٍ على حذَرِ

 

وفي أعاليهِ حِسبانٌ يُفضِّلُهُ للناظرينَ بلا ذِهنٍ ولا فِكَرِ

 

إذا بكى دارَ في أحشائِهِ فَلَكٌ خافَ المسيرَ، وإن لم يَبكِ لم يَدُرِ

 

مُترجِمٌ عن مواقيتٍ يُخبِرُنا بها، فيُوجدُ فيها صادِقُ الخَبَرِ

 

تُقضى بها الخمسُ في وقتِ الوجوبِ وإن غطَّى على الشمسِ سترُ الغيمِ والمطرِ

 

وإن سَهِرتَ لأوقاتٍ تؤرِّقُني عرفتَ مقدارَ وقتِ السُّهدِ والسَّهَرِ

 

مُجَدِّدٌ كلَّ ميقاتٍ تُخَيِّرُهُ نورُ التميُّزِ للأسفارِ والحَضَرِ

 

ومُخرِجٌ لكَ بالأجزاءِ ألطَفُها من النَّهارِ وقوتِ الليلِ والسَّحَرِ

 

نتيجةُ العلمِ والأفكارِ صُوَّرَها يا حبَّذا بَدَعُ الأفكارِ في الصُّوَرِ (5)

 

 

هوامش :

 

(١) الناصري أحمد، الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج3، ص205-206.

 

(2) ابن الخطيب، رقم الحلل في نظم الدول، ص84.

 

(3) ابن بطوطة؛ محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، رحلة ابن بطوطه، ج4، ص315.

 

(4) بكلي محمد رضا وآخرون، جوانب من تقنيات التوقيت وأدوات الرصد في المغرب الإسلامي، ص25-26.

 

(5) الأبيات من قصيدة شهيرة يصف فيها الشاعر كشاجم ( أبو الفتح محمود الحسين السندي) ساعة مائية نحاسية  دقيقة وتنسب إليه  في ديوانه”ديوان كشاجم)…وفقا للذكاء الاصطناعي . 

 

 

*الكاتب : أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية المساعد – كلية الآثار – جامعة الفيوم

 

 

طالع الحلقة الثانية :

 

الساعات المائية في التاريخ والعالم الإسلامي

 

 

يتبع لاحقاً ..

نقلاً عن تراثنا – العدد 97 

أنقر للمطالعة 

 

 

غلاف مجلة تراثنا السابع والتسعين - مارس 2026

 

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

تواصل مع تراثنا

 

 

 

اترك تعليقاً