نماذج من أدعية الرُسل
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ

تراثنا – يكتبها د . محمد بن إبراهيم الشيباني *:
في وقت الأزمات .. وما أكثرها ، وفي نزول الكرب والبلاء ، يفزع المؤمن إلى جوار ربه ، يرجوه ويدعوه ، ففي رحاب الله يجد المؤمن سعادته ، وأمنه ، واستقراره ، وراحته .

كما قال تعالى ” الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” سورة الرعد (28)، وقد كانت هذه من صفات الأنبياء والصالحين جميعاً ، فقد كان رسول الله صلى عليه وسلم ، كما أخبرت السيدة عائشة رضي الله عنها : ” كان إذا جز به أمر فزع إلى الصلاة ” .
وقد جاءت سيرته صلى الله عليه وسلم بأمثلة كثيرة لفزعه لربه في الشدائد ، من ذلك ما حدث في غزوة بدر بعد أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج قريش بحدها وحديدها ، وفي خيلائها وفخرها ، ورأى أصحابه رضوان الله عليهم في ضعفهم ، وقلة عدتهم وعتادهم ، فوقف في عريشه يدعو ربه ، ويجتهد في الدعاء ، ويقول : اللهم نصرك الذي وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العاصبة فلن تُعبد في الأرض بعد اليوم ..
حتى أنه مع اجتهاده في الدعاء والضراعة يسقط رداءه عن منكبيه ، فيحمله أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – على منكبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول له :” يارسول الله بعض مناشدتك ربك ، فإنه منجر لك ما وعدك .
أمثلة القرآن

وقد جاء القرآن بأمثلة كثيرة لضراعة الرسل عليهم السلام إلى ربهم في وقت الشداد والمحن من ذلك :
موسى عليه السلام :
- موسى بن عمران صلوات الله وسلامه عليه ، عندما خرج فاراً من مصر بعد قتله للفرعوني ، ولجوئه إلى أرض مدين ، وهو غريب فيها ، لا يعرف أحداً ، ثم سقيه غنم الرجل الصالح ، ومساعدته لبنتيه ، تراه يجلس إلى الظل وحيداً طريداً غريباً جائعاً ، يقول :” ربِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ” القصص (24) وهي كلمة نلمس فيها الضعف واللجوء إلى الله بكلمات ندية عذبة .
إبراهيم عليه السلام :
- إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ، عندما أُلقي في النار ، يقول :“حسبي الله ونعم الوكيل “، والمقالة نفسها يقولها محمد صلى الله عليه وسلم ، عندما قال له رسول أبي سفيان ، بعد غزوة أُحد ، أن أبا سفيان قد جمع لك جمعاً آخر ، بعد هزيمة أُحد.. وهو متوجه إلى المدينة ، لاستئصال شأفتكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :” حسبنا الله ونعم الوكيل “، وهي كلمة تدل على لجوئه إلى ربه ،واعتقاده ان الله كافيه من كل ما يضره .
يوسف عليه السلام :
- وهذا نبي الله يوسف صلى الله عليه وسلم ، تحيط به الفتنة من كل جانب ، فتنة المرأة الشبقة الخائنة التي تتعقبه وهو في بيتها ، وهو شاب جميل ، وتغلق الأبواب عليه ، وتقول له : هيت لك ، فيفر منها ، ثم تستعين بنساء المدينة الفاجرات ، فيحرضنه أيضاً على الفجور مع سيدته ، وبعدئذ المنصب والمال والعيش الهانيء ،ويجد يوسف أن البلاء يحيط به من كل جانب ،والفتنة تلفه من كل صوب ، فلا يجد إلا وجه الله سبحانه وتعالى ، فيلجأ إليه ويقول : ” قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ” يوسف (33) ، وعند ذلك يأتيه الفرج ، قال تعالي “فَاستَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يوسف الآية 34.
وفي القرآن أمثلة كثيرة لأنبياء الله ورسله في ابتلائهم من مثل هذا ، فما على الذي يحيط به الكرب ، سواء كانت من شهوة جامحة ، أو فتنة عصبية ، أو ظلمة في النفس والفؤاد إلا أن يفزع إلى ربه ،و هناك سيجد الأمن والسلام .
والله المستعان ..
– مناسبة كتابة هذه المقالة اعتداء إيران الجائر على الكويت ودول الخليج العربي .
*رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا
نقلاً عن تراثنا – العدد 97


