الحلقة السادسة
تحقيقات علمية نقدية في الأدب واللغة

تراثنا – د. محمد بن إبراهيم الشيباني * :
أبدأ أولاً بالترحم على إخواني أ.د. محمد التونجي وأ.د. أحمد بكري داعياً لهما الله بالعفو والمغفرة، أما الثانية، فقد عرض علي أخي د. أحمد بكري قبل وفاته بأشهر أن أطلع على هذا الكتاب “درة الغواص في أوهام الخواص تصنيف القاسم بن على الحريري – ت 516 هجري” وأقرأه لتقدير مدى صلاحيته للطباعة والنشر .

عملنا في المخطوطة

يذكر المؤلفان طبيعة عملهم وجهدهم في كتاب ” درة الخواص .. ” ، وهو : حاولنا جهدنا نقل المتن صحيحاً تماماً ، وضطبنا بدقة متناهية ، ووثقنا شواهده الشعرية والنثرية ، وارجعناها إلى أصولها ، على قدر عزمنا ، وسمحت لنا المظان بخدمتها ، ولم نترك وسيلة لم نرجع إليها لتوثيق الشعر ، ومعرفة قائله ، والمراجع التي وجد فيها ، وذكرت خلاف الروايات بين الدرة والديوان أو المجموعة الشعرية ، وفعلنا لأمر نفسه في الأمثال (1) .
ونستكمل في هذه الحلقة – السادسة – البحث ، إذ يقول :
.. وعرفنا بالأعلام التي رأينا التعريف بها ضرورياً، ويساعدُ على توضيح النص، وشرحنا المفردات والمصطلحات.
ووازنا بين (ص) والنسخ المعتمدة الأخرى، وذكرنا في المتن ما هو أصلح وأقرب إلى الصواب. وعلقنا على بعض المسائل بالصواب، أو بالجواز، أو المعارضة، وأتينا على ذلك كله بالبراهين والمصادر.
ولقد خدمنا الدرة بما يَصلح لها، ويجعلها جليَّةً وضَّاءة، تزين جباهَ المكتبات العربية. وسيرى المطالع أننا بذلنا على خدمتها الوقت والطاقة والحب، ولم نترك مصدراً أو مرجعًا إلا رجعنا إليه، حتى كادت المراجع تبلغ مئتي كتاب، وما ذلك إلا حبًا في لغتنا العربية، وتقديراً لتراثها، ولهذا الكتاب خاصة، ولمؤلفه وعلمه ومكانته.

منهج الحريري في درته لحن الخاصة :
لا يُشك في أن الحريريَّ رجل لغوي دقيق ذكي، غيور على اللغة العربية، حريصٌ على سلامتها وتنقيتها من شوائب اللحن الذي اسْتَشرى. فهو لم يؤلف مقاماتهِ إلا لهدفٍ تعليمي هو إيصال المفردات اللغوية إلى أذهان الناشئة والأدباء بأسلوب طريف جذاب.
ولم يصنف درته إلا لتقويم اللسان والتنبيه إلى عثرات العلماء ممن عاصروه أو سبقوه، كي يتحاشَوها.
فقد ظهر الحريريُّ في زمان تفشَّى فيه اللحن، وسرتِ العثرات اللغوية والنحوية إلى ألسن الخاصة والعامة، وضايقه أن يرى بعضَ كبار اللغويين يلحن في كتابته أو في قوله، فعزم على تأليف درته في أوهام الخاصة، يدل على ذلك عنوان الكتاب”.. في أوهام الخاصة”.
وقوله:”… ممن تَسَنَّموا أسنمةَ الرتب، وتوسَّمُوا بسمة الأدبط. وكم هاله أن يرى هذه الخاصة قد زلَّتْ أقلامها وتعثرت بأخطاءٍ هي أفحشُ مما تقع بها العامة “.. وقد ضاهوا العامة في بعض ما يفرط من كلامهم، وترعَفُ به مراعفُ أقلامهم”.
فداحة أخطاء الخاصة

وهو يرى أن وهم الخاصة أفدحُ من وهم العامة، لأن الخاصة يخطئون أمام تلامذتهم، فينتشر الخطأ بينَ مَن سيحلون محلَّ شيوخهم في التدريس.
وقد صرَّح في خاتمة الكتاب عن كفه لأوهامٍ وقع بها “جملةٌ من الكبراء على أوهامهم في الهجاء، عدلوا في بعض رسومه المقررة.. فرأيت أن أكشف عن عَوارها، وأنبِّهَ على التَّعَرِّي من عارِها، لتتنوَّعَ فوائدُ هذا الكتاب، وتنجليَ به الشُّبَهُ عن الكتَّاب”.
على حين أن خطأ العامة يظل في دائرتهم لا يَعْدوها. لكنه مع ذلك لم يقصِّرْ أحيانا في ذكر جانبٍ من عثرات العامة، كقوله: «ومن مفاحش ألحان العامة”.
وكان يعبر عن تضايقه من عثراتهم وغيرته على سلامة اللغة، ما يتوِّجُ به مطلعَ كلِّ عثرة بقوله: “ومن أوهامهم”. وقد يزداد تألماً، فيحتدُّ بتعبيره ويقول: «ومن أوهامهم الزاريةِ على أفهامهم، العاكسةِ معنى كلامهم. بل إنه يهاجم خاصة الخاصة، المتخَيَّرين من كبار العلماء، فيقول في لفظة المأتم: “يتوهم أكبرُ الخاصة”.
وقد يجمع بين العامة والخاصة، لأن هدفه تقويم اللسان، وتصحيح البيان، فيقول: “وللعامة وبعض الخاصة عدة أوهام”.
أخطاء الخواص
وهو قليلاً ما يذكر أَسماءَ من لحنوا في عصره، مراعاة لهم وتقديراً لمقامهم، وأدباً جمَّا منه لكنه يضطر أحياناً إلى ذكر أسمائهم، إمّا لأن النصَّ يقتضي ذلك، أو أن الخبر تناقلته الألسنُ وتلقَّفَتْه الأسماع بأسماء أصحابه. ففي حديثه عن “حضرتِ الكافَّةُ” يقول:”كما وهم أبو بكر ابنُ قُريعة..” (ت367هـ). وفي شرحه لمسألة تصغير “مختار” يقول: «وقد غلط الأصمعي في تصغير هذا الاسم غلطاً أودِعَ بطون الأوراق، وتناقلته الرواةُ في الآفاق”.
وقد يروي لحنًّا لعالم عن عالم كقوله: “وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: حضرتُ أبا عبيدة في بعض الأيام، فأخطأ في موضعين”. لكنَّ ذكره لهذه الأسماء قليل، وهو لم يشر إليها إلا ليصل إلى الصحة في كلامه.
ومع أنه يستشهدُ على صحة الكلمة بشعرِ بعض الشعراء، لكنهم لم يسلموا من الإشارة إليهم؛ ففي قوله عن “سامراء” يقول: “فيوهمون فيه كما وهمَ البحتريُّ بها”، وقد يذكر وهم الشعراء من غير ذكر أسمائهم، لكن الشاهد الشعري يكشف ذلك، فقد قال في المرايا: “فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين في قوله..” وعُلم أنه المتنبي من شاهده، وقد عابَ عليه باسمه كذلك صراحةً غير مرة، مثل استخدامه لفظة “بوقات”.
مصادره في كتابه :
إنَّ مثل هذا الموضوع الحساس يتطلب من المؤلف أن يرجعَ إلى مصادرَ موثوقٍ بها.. سواءٌ الكتبُ والرواية. ولا شك في أنه رجع إلى معظم المصنفات اللغوية والنحوية والصرفية المشهورة، مما ألف في زمانه وقبل زمانه، وتتبَّعَ أخبار العلماء من الخاصة وخاصة الخاصة، لكنه نادراً ما يذكر أسماء الكتب التي نقل منها.
ولاشك في أن من يكشف هذه العثرات يدل على أنه كثيرُ الاطلاع، صائب اللغة، وهو نفسه ذكر غير مرة أنه راجع بعض الكتب؛ مما يدل على أنه لم يأت إلا مما قرأ وراجع وتثبَّتَ. ولعل “أدب الكاتب” لابن قتيبة من أشهر الكتب التي أفاد منها، لأنه ذكره غير مرة في معرض كتابه.
وقد ذكر عدداً ضخماً من الأعلام البارزين ممن أفاد منهم مباشرة، أو من غير مباشرة. ولم يكد يتركُ مشهوراً منهم إلا أفاد من رأيه، وأثبتَ عنه ما ذهب إليه.
ومن هذه الأسماء (من غير اعتبار للترتيب): الأصمعي، ابن الكلبي، ابن الأعرابي، المبرد، المازني، أبو علي الفارسي، الأخفش، الفراء، الجوهري، السيرافي، ثعلب، ابن السكيت، الآمدي، ابن قتيبة، وغيرهم كثير.
وكان حين يذكر أَحدهم لا يَتَوانى عن الثناء عليه والدعاء له، كقوله: “أصاب عمرٌو”، أو “أصاب شعبةُ أيضاً”، ولم أرَ أعلمَ منه”، وهو يستندُ إلى الرواية كثيراً توثيقًا منه للخبر، وقد تبلغ العنعنةُ في بعض الأحيان ثمانية رجال، حتى يصلَ إلى خبره. وقد لا يذكر الرواةَ دفعاً للإطالة، ولاسيما إذا كانت العنعنات طويلة، فيقول: “ما رويته من عدة طرق”، لأن الخبر مثلاً عن هشامِ ابنِ عبد الملك. أو يقول: “وفي أخبار النحويين”، أو “وقد ذكر النحويون”، ولاسيما إذا غلب على المسألة إجماع.
التوثيق بالقرآن والحديث

ولا نكاد نراه يعرضُ مسألةً لحنية، إلا وثـقها بكلام الرواة، أو رأي النحاة. وطبيعي أن يكون القرآن الكريم، والحديث الشريف مستنده الأول في إثبات الصواب. كما يستشهد بالأقوال المأثورة لبعض الصحابة والفصحاء، “والنوادر الملائمة بمواضعها، والحكايات الواقعة في مواقعها “.
الاستناد إلى الشعراء
كما أن الشعر أساس لا يستغني عنه، وهو يستشهد بشعر شعراء عصر الاحتجاج وشعر المحدثين على السواء. لكننا نادراً ما نراه يستشهد بشعر شعراء عصره، ولعل الحق معه في هذا، وهذا كله يدلُّ على عمق ثقافته، ومدى اطلاعه.
الأمانة والدقة
وقد اتَّصف الحريري بالأمانة والدقة، لم يَحِدْ عنهما في كتابه من أوله إلى نهايته، لأنه أيقن أنه يكتب للخاصة، وهم الذين سيقرؤونه، ولعله توقع أن تنتقده فئة منهم.
والحريريُّ لا يعرف الفارسية، وكان شديدَ الدقة في هذا؛ فنراه ينقلُ آراء العلماء، ولا يُبدي رأيه في ذلك. فإن مرتْ به لفظة معربة مثل “طرمذار” نقل التعريفَ بها عن أصحاب اللغة مثل كتاب “اليواقيت” لأبي عمر الزاهد، ومع ذلك رأيناه تَبَنَّى رأَيًّا في المعرب، وكثيراً ما كان يجانبه الصواب. وقد أشرنا إلى ذلك في مواضعه، وصوَّبناه.

منهجه في عرض الألحان:
اختار الحريريُّ 213 استعمالاً مما يلحن فيه الخاصة، وخاصة الخاصة، والعامة. وأضاف عليها ستَّ مسائل في أخطاء الهجاء. ولم يتبع في ذلك كله منهجاً معيناً، بل نراه يسوق المواد من دون نظام، ولهذا قام ابنُ منظور بترتيب الكتاب، وجاء الألوسي، فأعاد ترتيب مواده بشكل معجمي. وأرى أن منهج الحريري في عدم وجود منهج خيرٌ من معاناة الترتيب.
وهو يذكر الوهم (اللحن)، ثم يُعقبه بتصويبه، وبعد ذلك يحلله لغويًّا، ويستشهد عليه بآية، أو حديث، أو بيت من الشعر، أو قول مأثور.. أو بذلك كله إن تطلَّبَ الأمر ذلك، وقد يحللُ الشاهدَ تحليلاً لغويًّا دقيقاً، ويربطه بالمعنى المقصود، ويأتي على ذلك ببرهانه، وقد نعود إلى لسان العرب لنتأكد من صحة كلامه، فنرى ابن منظور يذكر رأي الحريري، ويعقبه بردّ ابن بري عليه.
ولا يترك المسألةَ حتى يُشبعها معالجة، وتعريفاً، وأمثلة، ولا ينتقل إلى لحن آخر حتى يطمئنَّ إلى أن اللحن السابق أخذ حقَّه من المعالجة. وكثيراً ما نراه يقول: «ويكون- على هذا التأويل- قد تمَّ الكلامُ، وكملتِ الحجة”.
1- الفقرة منتقاة من عدد تراثنا رقم (95) نكرر نشرها هنا، لتسهيل الربط وانسيابية تسلسل البحث .
طالع الحلقة السابعة :
دُرة الغواص في أوهام الخواص لقاسم بن على الحريري بين النقاد والمؤيدين
يتبع لاحقا ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 96

تواصل مع تراثنا

