آراء كويتية
البناء العمراني والهوية الكويتية الضائعة

تراثنا – التحرير :
تفجرت ينابيع النفط في آبار الكويت عام 1946م ، معلنة عن بدء عصر جديد ، وانخلاع من ربقة الماضي وآلامه ،إلى تطلعات مستقبلية زاهرة على كل الأصعدة الرسمية والشعبية .

تسارعت الخطى بكل طاقتها لإسدال الستار على الماضي، وبدء معاول الهدم بالهدم يمنة ويساراً ، والمبالغة في تحطيم كل ما هو ماضي ، لا شك طال أمور لها صلة بالأعراف السائدة في المجتمع والمعتقدات الدينية، مما كان له عواقبه السلبية على التعاملات البشرية بين بعضها بعض ، وتغير والأذواق والخصال الحميدة لدى البعض، بدعوى مجاراة التطور ..
ولحق بهذا السباق ، والرغبة بالتطوير السريع ، ولو كان على حساب الهوية الكويتية ، تصاميم البناء والعمران، وبالأخص السكن الخاص بالمواطن ، التي اتخذ أشكال غربية ،وألوان زاهية ، وتركيبات غرييه ، هذه الظاهرة لم ترق لبعض ذووا الاختصاص المهني في التصميم العمراني ، وكان للمهندس المعماري ورجل الاعمال الكويتي ناصر محمد الأربش تعليقه الخاص بهذا الشأن الذي يوافقه كثيرون ممن عاصروا تلك الفترة التي يصفها بأنها كانت “هَبّْه “.
و “الهَبّْه” بمصطلح أهل الكويت تعني الأمر الذي تسارع إليه الناس على نحو مفاجئ ، ويمكن وصفها بالموضة التي طرأت بسرعة وانتشرت في المجتمع حينها ثم استقرت الأمور بعدها .
مباني جميلة جدا ولكن !

ويوضح م . الأربش رؤيته بلهجة كويتية مبسطة توصف بأنها “بيضاء” ما يقصده بالهبة فيقول :هبّة جديدة بين كثير من المهندسين الشباب اللي يشيدون ويمدحون بشكل مبالغ فيه الفلل والبيوت التي تم انشائها في بداية النهضة العمرانية في الكويت في الخمسينيات وبداية الستينيات، وهي بالفعل مباني جميلة جداً ونفذت بشكل صحيح وجودة عالية وتعتبر تراث معماري (تاريخي) ثري يعكس المدارس المعمارية ذلك ألحين مثل (الحداثة) و(الانتقائية) و(الدولية) ..
إلا أنه يستدرك على حسابه في (X) تويتر سابقاً موضحاً : ولكن لازم نَهَدِّي الوضع شوية ونتكلم بشكل منصف ونوثق التاريخ عدل، لهذه الأسباب: هناك حقيقة يجب عدم اغفالها ابداً، وهي ان هذه الفلل رغم اناقتها وجودة تنفيذها واستيفاءها لأسس التصميم العالمية، ما كانت تصلح لمعيشة الأسرة الكويتية، ولا المناخ في الكويت، ولا الثقافة الكويتية، لأن المصممين ما بذلوا أي جهد لتطوير وتعديل التصاميم الغربية لتتناسب مع أسلوب الحياة في الكويت، ونقلوا لنا نماذج اجنبية على عَدَالها “كما هي”، مثل اللي ينسخ الإجابات من صاحبه بالامتحان لدرجة انه ينقل حتى اسمه.
ويكشف م .الأربش عن السبب في اعتراضه على تلك التصاميم – الجديدة والأنيقة – بالقول :لأن الغالبية العظمى من المصممين كانوا وافدين” ومن بيئات تختلف تماماً عن بيئتنا، اللي صار .. انهم صنعوا لنا ثوب حلو جميل ورائع لكنه مو ثوبنا ” غير ملائم لهويتنا !!
ملاحظات م . الأربش

هذه بعض الملاحظات (بشكل عام وليس مطلق):
– الحوش الداخلي حولوه الى حوش يحيط بالبيت وسووا حوله اسوار عالية من اجل الخصوصية، فضاع جزء كبير من المساحة، كان بالإمكان توزيعها بفناءات داخلية تعطي شراحة “سعة مكانية ” وروح لعناصر الفيلا، ولكنهم ضيعوا الهوية المعمارية الكويتية!!
– وضع بلكونات في البيوت، كل بلكونة من كبرها تطرد فيها الخيل، واحنا مو وجه بلكونات ولا قعدات البرندات من ثقافتنا او اطباعنا، وطقسنا يا الله من فضلك اغلب السنة، اما حر او غبار او رطوبة… فصارت تضييع مساحة ومصاريف وصيانة عالفاضي.
-دائماً تجد صالة بنص البيت عبارة عن موزع ضخم فيه ثمنتعش ألف “18 ألف” باب، بعضهم لغرف النوم والآخر لحمامات.. الخ!… وهذا يقتل الخصوصية وأيضا يضيع المساحات.
– قلة عدد الحمامات بالنسبة لحجم الأسرة واحتياجاتها!
– لأن النظام الأجنبي ما فيه نفس مطابخنا، وبدلاً من إيجاد حل هندسي بدمج المطبخ بمبنى البيت بشكل مدروس، لجأ اغلب المهندسين المصممين لأسهل حل وهو وضع المطبخ الرئيسي في ملحق خارجي منفصل علشان لا يتغير تصميم البيت!!… فأصبح استخدامه غير مريح خصوصا في الطقس القاسي او في أوقات الليل المتأخرة.
-تصميم الفيلا وتوزيع عناصرها بشكل عام ما يتوالم ” لا يتلاءم ” مع طبيعة معيشة الاسرة الكويتية.
– اغلب البيوت ما كان فيها ديوانية “مجلس للقاء الرجال ” مصممة بالمفهوم والاستخدام الكويتي.
الفيلا الكويتية والتنورة الاسكتلندية !

نختم الكلام بالقول، بأن هذه الفلل كانت أكثر من رائعة وممتازة هندسياً وفيها تفاصيل ثرية، لكنها لم تكن مناسبة لنا أبداً… مثل التنورة الاسكتلندية للرجال، خامتها فخمة وجودتها عالية وموديلها واكسسواراتها متعوب عليهم لكنها تناسب بيئة وثقافة اسكتلندا، وما تصلح لنا ولا تتماشى مع ثقافتنا وعاداتنا واستخدامنا.
مو كل حلو زين او يصلح!!
تراثنا : طالع تقرير عن البيت الكويتي القديم

تواصل مع تراثنا
