الحلقة الثالثة
علم تحقيق المخطوطات وتكسب الدخلاء

تراثنا – د . مقبل التّام الأحمدي * :
أبدى د. مقبل التام الأحمدي امتعاضه الشديد في مقال موسع كتبه لما آل إليه حال العاملين في حقل تحقيق المخطوطات في الوقت الحاضر مقارنة مع الأقدمين .
ونعت د. الأحمدي هذه الاصناف بأنها تنتهج التربح والتكسب من مهنة التحقيق ، حيث عمل بها من لا يجيدها ، فتحولت من رسالة سامية إلى عمل ومهنة يزاولها سواد الناس كما جاء في الحلقة الاولى نشرتها تراثنا .

وفي الحلقة الثالثة ، يستكمل د . الاحمدى تعداد أصناف العاملين في مجال تحقيق المخطوطات والطريقة التي اكتسبوا بها صفة (محقق) بحق أو باطل ، فيقول :
المتتلمذ على غيره : ويكون صاحبها ملازماً لمن يتتلمذ على يديه ، فيكون حظه كحظه ، قل أو كثر ، ثم يكون بعد ذلك واحدا من الأصناف السالفة الذكر .
التابع مدرسة : يكون أربابها بحسب ما عليه المدرسة ، وقد كان مثل هذا في بلاده في الشام ومصر والعراق والمغرب ، وبعض الدول الإسلامية كالهند ، في مصر وسورية وغيرهما ، وما يزال ، فثمة مدرسة تمثل المستيطع بنفسه ، وأخرى تمثل المستطيع بغيره ، لكن جمهورها كبير ، فيأخذ بعضهم من بعض ، ويستفيد بعضهم من بعض ، فيكون المستوى بينهما متقارباً ، لكونهم أصحاب مذهب واحد ، ولكون أدواتهم متشابهة ومتقاربة .
المُعد أطروحة : ومثل هذا الضرب من الأطاريح غالباً ما يكون محفوفاً بالخطر ، وقلة الظفر ، لأن الطلبة في أحسن أحوالهم في هذا المستوى من حياتهم ،إنما يتعلمون في تراث الأم ، ويناطحون فيه بقرون جماء كبار العلماء ، فلا تسلم أعمالهم التي يُعدون أطاريحهم من الأذى ، إلا إذا كان المشرف عالماً ومشاركاً طالبه في علمه .

المدعي في التحقيق أختصاصاً : ليس ثمة اختصاص اسمه ” تحقيق المخطوطات” ، إنما ركب بعضهم هذا المركب الصعب ، لاشتغاله في إحدى رسالتي الماجستير أو الدكتوارة ، بتحقيق مخطوط ما ، ثم أخذ نفسه بعد ذلك بالفتيا ،وخال يده هي العليا ، وادعى في التحقيق نسباً وقرابة ، ومثل هؤلاء هم أقل الناس حظاً ، لأن التحقيق ليس اختصاصاً ، أو شيئاً يقوم به من لم يرزق علماً من العلوم ، أو كان بلا عمل ، وإنما هو رسالة عظيمة غايتها إخراج تراث الأمة الأمة سليما معافى ، كما صنفه أربابه ، ثم تسخيره فيما ينفع الناس اليوم ، والإفادة منه ومما اشتمل عليه من شتى فنون العلم والمعرفة .
الفائز بجائزة في التحقيق : جرت باخرة عادة منح جوائز في التحقيق في بعض المؤسسات البحثية بالوطن العربي ،مثلها مثل جوائز مسابقات الشعر والغناء وغير ذلك ، وهذا أمر حسن إن يذهب بعض مال الأمة فيما ينفع الناس ، غير أن بعض الذين فازوا ببعض تلك الجوائز ، بحق كان ذلك أو بباطل ، أصابته لوثة أشد من لوثة أبي حية النميري ، فصار يخال نفسه أسطورة من أساطين الصنعة ، ويستدل على ذلك بفوزة بجائزة من إحدى تلك المؤسسات !
المتعصب في قطره : لم ترزق بعض الأقطار العربية ما رزقته بقية الأقطار ، من حيث وجود محققين كبار أو وجود مدرسة في التحقيق ، فحمل أهل ذلك القطر الفقير على التعصب لبعض جهالاتهم ليضاهئوا بهم العلماء في غير قطر ، ثم صار لهذا الجاهل اتباع ، فاستحال الجهل ثمة مدرسة قائمة الأركان .
الملقب بكبير المحققين : احتذت بعض المؤسسات في الوطن العربي حدو المؤسسات الغربية ، واستعارت منها بعض الألقاب فيها ، ولم تستعر معها مدلولها العلمي ومضمونها ، نحو مسمى (كبير الخبراء في التحقيق) ، على أنك لونظرت لما في أعمال هذا الكبير ، لوجدت فيها من الكبائر ، ما يُسوغ تلك التسمية !
يتبع لاحقاً ..
طالع الحلقة الثانية :
هذه تصنيفات “شرفاء” العاملين في تحقيق المخطوطات
نقلا عن تراثنا – العدد 94

تواصل مع تراثنا

