• Post published:الأحد 24 شوال 1447هـ 12-4-2026م

 

الحلقة السابعة

تحقيقات علمية نقدية في الأدب واللغة

 

 

تراثنا – د. محمد بن إبراهيم الشيباني * :

 

أبدأ أولاً بالترحم على إخواني أ.د. محمد التونجي وأ.د. أحمد بكري داعياً لهما الله بالعفو والمغفرة. أما الثانية، فقد عرض علي أخي د. أحمد بكري قبل وفاته بأشهر أن أطلع على هذا الكتاب “درة الغواص في أوهام الخواص تصنيف القاسم بن على الحريري – ت 516 هجري”  وأقرأه لتقدير مدى صلاحيته للطباعة والنشر . 

 

الدكتور محمد بن إبراهيم الشيباني رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت
د.محمد بن إبراهيم الشيباني

 

 فقرأته من الجلدة إلى الجلدة كما يُقال ، فأصلحت وقوّمت بعض النقوصات الطباعية والعلمية في المتن والهامش، وكان ما كان، وباشرنا نشره في حلقات في مجلة تراثنا تمهيداً لطباعته وإصداره بعد ذلك والله المستعان.

 

في هذه الحلقة السابعة ، نستأنف ما سبق سطرناه بشأن (منهج الحريري في درته لحن الخاصة) وبينا حرصه على اللغة العربية وسلامتها وتنقيتها من شوائب اللحن الذي استشرى ، والعثرات اللغوية والنحوية إلى ألسن الخاصة والعامة.

 

منهجه في عرض الألحان 

 

 

 

اختار الحريريُّ 213 أستعمالاً مما يلحن فيه الخاصة، وخاصة الخاصة، والعامة. وأضاف عليها ستَّ مسائل في أخطاء الهجاء. ولم يتبع في ذلك كله منهجاً معيناً، بل نراه يسوق المواد من دون نظام. ولهذا قام ابنُ منظور بترتيب الكتاب، وجاء الآلوسي، فأعاد ترتيب مواده بشكل معجمي. وأرى أن منهج الحريري في عدم وجود منهج خيرٌ من معاناة الترتيب.

 

وهو يذكر الوهم (اللحن)، ثم يُعقبه بتصويبه، وبعد ذلك يحلله لغويًّا، ويستشهد عليه بآية، أو حديث، أو بيت من الشعر، أو قول مأثور.. أو بذلك كله إن تطلَّبَ الأمر ذلك. وقد يحللُ الشاهدَ تحليلاً لغويًّا دقيقاً، ويربطه بالمعنى المقصود، ويأتي على ذلك ببرهانه. وقد نعود إلى لسان العرب لنتأكد من صحة كلامه، فنرى ابن منظور يذكر رأي الحريري، ويعقبه بردّ ابن بري عليه.

 

ولا يترك المسألةَ حتى يُشبعها معالجة، وتعريفاً، وأمثلة، ولا ينتقل إلى لحن آخر حتى يطمئنَّ إلى أن اللحن السابق أخذ حقَّه من المعالجة. وكثيراً ما نراه يقول: «ويكون- على هذا التأويل- قد تمَّ الكلامُ، وكملتِ الحجة».

 

وقد يذكِّرُه لحنٌ يعالجه بلحن آخر يستحقُّ المعالجة، كحديثه عن «سهمِ غربٍ» بفتح الراء وإسكانها، بعد ذكره للخلف بسكون اللام وفتحها. وسيجد القارئ أننا وضعنا دائرة سوداء (<) دلالةً على اللحن الأصلي، وخطاً (ــ) إذا انتقل المؤلف إلى بعض الألحان الأخرى، إذِ الشيءُ بالشيءُ يُذكر (على قول المبرد). والاستطراد عنده- وعند معظم اللغويين- ظاهرة علمية، كحديثه عن «ذهبتُ إلى عنده»، فجرَّه الحديثُ إلى ليتَ وسوف، وإلى استعمالات أخرى لـ»عند» مع شواهدها. وكذا بعد قوله: «تمَعّرَ خدُّه» يقول: «ويقولون من هذا النوع أيضاً…»، أو يقول: «ونظيره»، أو «ومثلُ ذلك».

 

وقد يستطرد إلى شرحٍ مفصل لأحد دروس النحو، أو الأوزان الصرفية، كما في شرحه لنعم وبئس، وأحوال استخدامهما، وإعرابهما، والاسم بعدهما. وقد يُعرب الكلمة إذا اقتضى الأمرُ ذلك، مثل إعرابِه كلمةَ «قط».

 

فهو إذاً لم يتوانَ عن معالجة المسألة من وجوه شتى، متبرِّماً بأداء المعلومة من غير توانٍ أو تكاسل، ولكنه لم يذكر لنا من أين نقل هذا اللحن، ولا الكتاب الذي وقع صاحبه فيه.

 

وختم كتابَه بجملةٍ من عثرات «الكبراء على أوهامهم في الهجاء»، ويقصد بذلك الإملاء، وبعض الأدوات، وبعض حروف الهجاء.

 

وبعد أن عرض الحريريُّ أَوهام الأدباء بالهجاء، عاد فاستدرك واعتذر وبرر أخطاءهم تبرير العالم الرَّحْب الصدر، فقال: «ولعلَّ خواطرَهُم هفَتْ بها نسيانًا، وأقلامَهم خطرت طغيانًا. وأعقبَ اعتذارَه هذا باعتذارٍ عام، بأنه لم يكتب ما كتب كي يندِّدَ بهفواتِ الأوهام، وعثرات الاقلام… وهل يتتبَّعُ المعايبَ إلا مَعيب؟ وما أطرفَ البيتَ الذي ذكره، كي يشير إلى أن كلَّ امرئ لابدَّ واقع في الخطأ، ما دام يكتب ويصنف، فقال:

 

ومَن ظَنَّ مِمَّنْ يُلاقي الحروبَ بأنْ لن يُصابَ، فقد ظنَّ عَجْزا

 

 

نسخ الكتب و المخطوطات مهنة الوراقين في العهود الإسلامية القديمة
البحث والتدقيق في الأخطاء والتحريف والتصحيف

 

مصطلحاته اللغوية والنقدية:

 

استخدم الحريري جملة من المصطلحات العلمية؛ بعضُها مما كان متداولاً قبله، وبعضها مِن وضعه هو. وهدفُه الاختصار أولاً، وتوضيحُ درجة اللحن ثانياً. وسنعرض هذه المصطلحاتِ، ونبينُ مقصوده من كل واحدة، إذا لزم الأمر:

 

الأحـــــــســــــــــــــن : اسم تفضيل يدل على أن ما قالوه حسن.

 

الاختـــــــيــــــــار : المفضل، الأجدر. ولا يعني أن استعمالهم خاطئ.

 

الأفــــــــصــــــــح : أي أن غيره فصيح أيضاً، لكن هذا أكثر صحةً.

 

جُــــــــــــــــــــــــــوِّز : والرأيُ المجوَّز مقبول، وذاك أفضل.

 

ذكــــــر النحـــويــون : أجمعوا.

 

سُــــمـــع عـــنــــهــم : أي سمع عن فصحاء العرب.

 

شــــــــــــــــــــــــــــذَّ : يكثر منه ومن: شاذّ، ويشذّ، وشواذ. ويعرفه بنفسه يقول: «والشواذُّ تُقْصَرعلى السماع، ولا يقاسُ عليه بالإجماع».

 

الصـــحـــيــــــــــــــح : الصواب.

 

علـــــــى مـــا حــكـاه : أمرٌ لا يعرفه، أو لا يثق بصحته.

 

عنــد أكثر أهل اللغــة : وهناك قلة قالت بغيره، وهو صحيح.

 

كـــــــــــلام العـــــرب : ليس ذلك بمستطرد، أو مُطَّرد: أي ليس سائداً.

 

مــــــــــــــذهبــــهـــم : مذهب العرب في الاستعمال.

 

المـــســــــمـــــــــوع : مثلُ سمع عنهم.

 

مقصور على السماع : مما لا يقاس عليه.

 

مـــن أوهــــامـــهــــم : من عثراتهم، من ألحانهم.

 

مــــن هــــذا القَبــيــل : إليك أمثلة أخرى على مثل هذا اللحن.

 

وجــــــــــهُ القــــــول : الصواب، الصحيح.

 

وجـــــــــهُ الكـــــــلام : لا يمنع استخدامه، لكن هذا الرأي أصوب.

 

يَــــــــوهــــمــــــــون : يخطئون.

 

وقد يضطرب المصطلح عنده – وهذا نادر- فنراه حين يقول: «ومن أوهامهم» يعني أن القوم أخطؤوا، إذا بنا نراه يقول: «والأصح» أو «والاختيار». ولا يجتمع وهمٌ واختيار، لأن «الأصح» – كما ذكرنا- اسم تفضيل، وغيره صحيح أيضاً.

 

أســـلوبـــه:

 

يختلف أسلوب الأديب من موضوع إلى موضوع، كاختلاف أسلوب الجاحظ في بعض كتبه، وقد جاء أسلوب الحريري في كتابه هذا أسلوباً علمياً جلياً رصيناً، لا تهافُتَ فيه، ولا صنعة، ولا حوشىِّ. وهو هنا يختلف كلياً عن أسلوبه في المقامات.

 

ولكن الأسلوب مهما اختلف يظلُّ متأثراً بالجذور، لهذا فإن بعض الصنعة اعترت الجمل أحياناً، ذلك أنه أمضى ردحاً من الزمان في صناعة المقامات، ولابد من أن يتسرَّبَ إلى درته بعضُ صنعته في مقاماته، كما لا يجوز لنا أن ننسى أن عصر الحريري عصر الصنعة الأسلوبية. فهو استخدم السجع والموازنة أحياناً كقوله: «في صفة مَزنون بالقيادة، وإن كان أبدعَ في الإجادة». وقد يتعمق في صنعته فيقول: «.. فرأَيت أن أكشف عن عوارها، وأنبِّه على التعرِّي من عارِها، لتتنوعَ فوائدُ هذا الكتاب، وتنجليَ الشُّبَهُ عن الكتّاب».

 

لكن هذا قليل جداً بالنسبة إلى ما عرف عنه أنه شيخ الصنعة في عصره، وأستاذها لمن بعده، ويظل أسلوبه العام علميًّا واضحاً لا غرابة في مفرداته، ولا عمد في صنعته.

 

سقطات الحريري ونقدهم له :

 

على رُغم هذه العناية الفائقة، والجهود المبذولة الشائعة، نراه وقع في بعض ما نَبَّه عليه أو لم يُنبه. فتسارعَ النقاد اللغويون يتسقطون عثراته، أكثر من تسارع محبيه إلى إظهار حسناته، وهل سلمَ أديب أوشاعر من ألسُن النقاد؟

 

وقد فتح الحريري بابَ اللحن ودراسته على مصراعيه، فنبه أذهان المصنفين والنقاد، والمعلقين إلى أهمية الموضوع، مع أنه لم يكن مبتكرَه. وإنَّ معظم ما جمعه في كتابه من ألحان مما يجب أن يراعى، لكن بعض المسائل يحتمل وجهين أو أكثر، وقليلةٌ هي.

 

ومعروفٌ أن مَن ألف اسْتُهْدِفَ، وأنَّ كل كتاب فيهِ ما يُقال فيه،ولاسيما كتبُ اللغة، لأن اللغة بحرٌ لا قاع له ولا شاطئ.

 

ولما كانت العربيةُ حصيلةَ لهجات القبائل، فإنَّ معظم الآراء تُناسب كل قائل.

 

وانبرى نقادُ اللغة يؤيدون الحريريَّ أو يعارضونه، وإن كثرة المعارضين والمعلقين والشارحين دليلُ أهمية الدرة، ودليل اختلاف الآراء فيما ذكر، ولكلِّ عالمٍ لغة وشواهد.. وكلهم مُصيب. ولا شك في أن مسائل الخلاف بين أهل البصرة والكوفة، والمشارقة والمغاربة، غير بعيدة عن الأذهان.

 

وقد نقل الحريريُّ عن أعلام أفذاذ. والنقادُ حين يُخَطِّئون الحريريَّ بشيء، إنما يُخطئون أولئك الأعلامَ الذين سبقوه ونقل عنهم أولاً.

 

فابنُ بري (ص 802) حين علق على «شُلَّت يدا فارية» قال: «..هو الخطأ الثاني من خطأ أبي عبيدة». وفي قوله: «ارتضع بلبانه» يقول ابن بري (ص811): «مَنْقول من أدب الكاتب. وقد سها ابن قتيبة». وقد يأتي طعنهم على الشعراء أنفسهم.

 

وإذا أخطأ الأصمعيُّ والضبي وابن سيدَة وأبو العلاء والفيروز آبادي وهم مَن هُم، فلا ضيرَ أن يخطئ مَن دونهم ومَن بعدَهم.. وإن كنا نطمح إلى سلامة اللغة وفصاحتها.

 

وكنا ذكرنا أن الحريري ألفَ مقاماتهِ قبل أكثر من عشر سنوات من زمانِ تأليف الدرة. ويبدو أن لغته آنئذ لمّا تكتمل.. ألم نقلْ إنَّ اللغة بحر لا قاع له؟ ولهذا أخذ ابن بري وابن ظفر والخشاب والخفاجي على الحريري أنه يُخطِّئُ الخاصة، ويقعُ في مثله، كما في مادة «اصفرَّ واحمرَّ»، وقد أشرنا إلى معظم تلك المآخذ في موضعه.

 

وإذا كنا نجد الناقدين تزدادُ ملحوظاتهم، وتكثر ورقاتُ مصنفاتهم، فلأنهم يأخذون ما قاله الشارحون والناقدون فيزيدونه على ملاحظتهم، تماماً مثل كرة الثلج المنحدرة. وهذا ما جرى مع الخفاجيِّ، الذي جاء أكثرُ من نصف حواشيه مما ذكره ابن بري وابن ظفر وغيرهما. ولهذا أشرنا إلى عدم ضرورة طبع حواشي هذين العالمين. وإذا رأينا النقاد يأخذون عليه، فإن بعض النقاد أخذوا على أندادهم أيضاً.

 

لكنَّ قلم الحريري جانبَ الصوابَ أحياناً، وقد أشرنا إلى بعض هذه السقطات، ومنها قولُه: «وتشهد له هذه الآيةُ باتفاق كافة أهل الملل». وكان حقه أن يقول: «.. أهلُ الملل كافة». واستشهاده بكلام ظنًا منه أنه قرآن للتشابه في اللفظ، مثل «عين حامية»، وهذا ليس من القرآن، ولا نظنُّه خطأ من الناسخ، لأن النسخ كلها أجمعت على أنها آية، وانظر رأينا فيها.

 

رموزنا في التحقيق

 

 

*بحث حققه وراجعه أ .د محمد التونجي – يرحمه الله – وأشرف عليه د .محمد بن إبراهيم الشيباني رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا

 

 

يتبع لاحقا ..

 

نقلاً عن تراثنا – العدد 97 

أنقر للمطالعة 

 

 

غلاف مجلة تراثنا السابع والتسعين - مارس 2026

 

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

تواصل مع تراثنا 

 

 

اترك تعليقاً