• Post published:الأثنين 21 شعبان 1447هـ 9-2-2026م

 

 حضارية لغة القرآن  – الحلقة 5

مواجهات مصيرية مع الشعوبيين

 

تراثنا د . محسن عبد الحميد :

تصدى د . محسن عبد الحميد – يرحمه الله – لحملة شعواء شنها من وصفهم بالشعوبيين ، من المجوس الفرس والمستشرقين ، المتربصين باللغة العربية ، بدعوى أنها غير حضارية .

 

يستهدف أصحاب هذه الدعوات القضاء على الشخصية الإسلامية ، بدءا من لغتها ، وصولاً إلى اتهام الإسلام ، بأنه نزل بلغة ركيكة “صحراوية” لا تواكب العلم وأنه ليس كتابا منزلاًً ..

 

د . محسن عبد الحميد - يرحمه الله
د . محسن عبد الحميد

 

وفي الحلقة الخامسة والأخيرة ، يستطرد الكاتب د . عبدالحميد شرح سرديته حول دور الاستعمار الغربي وذيوله في تغذية الانقسام بين ابناء الشعوب العربية والإسلامية ، بل أبناء الشعب الواحد نفسه، بدعوتهم لتكريس اللهجة الوطنية الدارجة ، بدلاً عن لغة القران التي تجمع صف المسلمين وتوحدهم عليه ، بما فيه استعادة أيام الجاهلية الأولى ، والانكفاء على الداخل لكل قومية بحضارتها المندثرة ، بدعاوي براقة .. وهي مجاراة العصر !.

 

ويوضح د . عبدالحميد أبرز الأساليب المتبعة لتحقيق أغراضهم  ، فيقول :

 

تبني اللهجات العامية 

 

أنيس فريحة
أنيس فريحة

وبعد أن نامت هذه الحركات زمناً ، عادت من جديد تحت ستار تسهيل اللغة ، ومن الكتب التي ظهرت في هذه المجال كتاب (تبسيط قواعد العربية) وكتاب (محاضرات في اللهجات وأسلوب دراستها) و كتاب (نحو عربية ميسرة) ،وهذه الكتب جميعها للدكتور أنيس فريحة ، استاذ اللغات السامية في الجامعة الأمريكية في بيروت ، دعا فيها إلى ترك اللغة الفصحى والاستعاضة عنها باللهجات العامية المحلية ،وكتابتها بالحروف اللاتينية .

 

 

تشجيع الأدب الشعبي المكتوب 

 

ويدخل في هذا المخطط الحاقد الذي يدعو إلى هدم اللغة الفصحي ، التي تمثل خصائص الأمة ،وتستوعب تراثها الضخم ،وتعبر عن عقيدتها وشريعتها ،وتطلعاتها الحضارية ،تشجيع الأدب الشعبي المكتوب باللغة العامية ، وإعطاؤه وزناً أكثر مما يستحق ،وإنشاء المجلات العلمية له .

 

 

الدعوة إلى الشعر الحر !

 

كما أن ما يسمى بالشعر الحر بالشعر الذي ضيع ضوابط الأوزان ، وأفسد مدلولات الألفاظ ، وقلب حقائق الكلمات ، وزعزع طبيعة المجازات ،  والذي يعبر عن حركات الهدم والتمرد والرفض لحضارة أمتنا المؤمنة، يدخل في هذا الاتجاه الهدام الذي يبغي القضاء على معالم الشخصية المستقلة لأمتنا وتاريخنا المجيد.

 

وهناك مسألة أخرى سارت جنباً إلى جنب الدعوة إلى الكتابة بالعامية واللاتينية، ألا وهي إعادة النظر في إعادة الكتابة بالحروف العربية ، بتقليل حروفها وتغيير رسمها ، وتبديل أوضاعها حتى تتبدل طبيعة الكتابة، فتنقطع الأجيال الحاضرة والقابلة عن فهم عقيدتها ، وشريعتها وحضارتها ، ومن المعلوم أن قطع الأمة عن ماضيها هو قضاء عليها ، وتمزيق لأوصالها .

 

 

تقليص حروف اللغة العربية !

 

عثمان حمدي بك
عثمان حمدي بك

 

ومن أوائل من دفعوا من قبل الدوائر الاستعمارية الانجليزية في مصر أحد القضاة المسمى (حمدي بك) فقد دعا في سنة 1906 إلى تقليص الأحرف العربية، وأخفقت هذه الدعوة في حينها ، بعد مقاومة شديدة من قبل العلماء والأدباء المخلصين ،وبعد خمس وعشرين سنة دفعت المخابرات الأمريكية مهندسا مغترباً لبنانياً اسمه (نصري خطار) وجاء إلى مصر ونشر في بعض المجلات الاستعمارية اقتراحة لتقليص الحروف العربية ،وتبديل رسمها ،والغريب أن مقلوب عدد من هذه الحروف التي نشرت في مجلة المصور (العدد 1163) هي الحروف العبرية بالضبط !!

 

المحفل الماسوني واللغة العربية 

 

حنا أبي راشد القطب الأعطم للمحفل الماسوني
حنا أبي راشد

ولأهمية هذه الفكرة ، فقد طرحت قضية تبديل الحروف حتى في المحافل الماسونية في الوطن العربي المسلم ، منها المحفل الماسوني اللبناني ، فقد ورد في دائرة المعارف الماسونية المصورة لمؤلفها الماسوني المعروف (حنا أبي راشد ) ، الأستاذ الأعظم للمحفل الماسوني اللبناني ، أنه قد أقيمت حفلة تكريمية كبيرة ، حضرها كبار الماسونيين ، واستقبلوا فيها الرئيس الأعظم حنا أبي راشد الذي اعتلى سدة المؤتمر ،وتم انتخابه عميداً للطرق الماسونية المثالية العالمية مدى الحياة .

 

اختراع ماسوني لتسهيل الطباعة ب (العبرية) !

 

وكان هذا التكريم من اجل أنه اخترع حروفاً لتسهيل الطباعة باللغة العربية ، أسوة بما فعله أتاتورك في هذا المجال ، حيث ابدل الحروف العربية بالحروف الافرنجية ،وقد لفتوا في المؤتمر نظر رجال الفن إلى هذا الحدث المهم ، وثبتوا صورة الحروف التي كانوا يريدونها صبها ، ثم عقدت لجنة ماسونية فنية اجتماعاً لبحث هذا الاختراع.

 

وكان الجواب على سؤال أحدهم عن مصير الحروف الحالية الموجودة في المطابع والمسابك بقوله : بأنه ليس للحروف الحالية إزاء هذا الاختراع إلا أن تجمع كلها ، لتصهر في النار ،لتكون نواة لإخراج هذا الابتكار الماسوني الفني . 

المخلصون يتصدون 

 

شكيب ارسلان
شكيب ارسلان

 

ولقد استطاع كُتابنا المؤمنون من أهل الاختصاص وأصحاب الأقلام الصادقة الباحثة عن الحق أن يكشفوا منذ العشرينات من هذا القرن (القرن العشرين) عن الأهداف التبشيرية والاستعمار واليهودية الصهيونية التي تقف وراء حركات هدم اللغة العربية الفصحى ، في مقدمتهم أمير البيان شكيب أرسلان ومصطفى صادق الرافعي والشيخ محمد الخضر الحسين وعباس محمود العقاد والدكتوران عمر فروخ ومصطفى الخالدي ومحمود محمد شاكر والدكتور محمد محمد حسين  وغيرهم ممن اقتدى بنور كتاباتهم وأبحاثهم .

 

وعلينا اليوم ألاّ نكتفي بما قدموه من حجج باهرة حاصرت هذه الأفكار المنحرفة وقضت على فاعليتها ، بل علينا أن نقتدي بهم ونسير على خطاهم ، والخطوة الناجحة التي تقضي نهائياً على هذه المحاولات الضالة أن نهتمّ بتدريس اللغة العربية في مدارسنا من حيث المادة ومن حيث طرق تدريسها ونريي في جيلنا الحاضر وأجيالنا الآتية   الحس اللغوي ، حتى لا يبقى في مجتمعنا واحد لا يتذوق جمال اللغة الفصحى ، ونغماتها العذبة وبلاغتها الفائقة ، وحركاتها الإيقاعية المنتاسقة.

 

العربية وعاء الثقافة والحضارة

 

 

ولئن كانت العربية في الماضي لغة الإنسانية المؤمنة، ووعاء الحضارة الإسلامية ،  بحيت حملت بجدارة أوامر السماء وإلى الأرض، وعبرت عن جوامع كلم النبي عليه الصلاة والسلام ، واستوعبت تراث الفقه الإسلامي ، والفكر الفلسفي ، والعلوم المنتوعة ، فإنها اليوم تستطيع أن تحمل أمانة العلم والأدب والحضارة والتقدم في بلاد الإسلام كلها.

 

وإن من أعظم واجبات المسلمين اليوم أن يتخذوا اللغة العربية لغة رسمية لبلادهم بجانب لغاتهم المحلية، لا بل إن من الوفاء للإسلام وحضارته والطريق الصحيح إلى وحدة الفكر والمصير بين المسلمين أن يتخذوها وحدها لغة الحضارة والحياة.

 

ومن الخطأ العظيم، بل الجهل العميم، أن يعتقد مسلم أن اللغة العربية هي لغة عنصر معين، وإنما هي لغة العقيدة، ولغة التشريع ولغة الإسلام المعبر عن جوانب حضارته المتكاملة.

 

ولنا مثل أوضح في ماضينا المشرق الطويل، فلقد كانت هذه اللغة الكريمة لغة الأمة والحضارة من حدود الصين إلى الأندلس ومن أواسط آسيا إلى أواسط أفريقيا، جمعتهم على الهدى ودين الحق، وربطت بين قلوبهم، وجعلتهم أمة واحدة تعبد الله تعالى وتقرأ كتابه الكريم وعلوم الإسلام بها.

 

فحب المسلم اليوم اللغة العربية وحرصه عليها وتعلمه لها نابع من حبه إسلامه وقرآنه.

 

دعوة للاهتمام بتدريس العربية 

 

حلقة علم في الأزهر بالقاهرة
حلقة تعل العقيدة واللغة العربية في الأزهر بالقاهرة

 

ولا بد للمسؤولين عن التربية والتعليم والثقافة في البلاد الإسلامية كلها أن يهتموا بتدريس اللغة العربية في مدارسها ومؤسساتها الثقافية حتى لا يبقى مسلم مثقف في العالم الإسلامي كله لا يعرف في الأقل الحد الذي يمكنه فهم دينه ونصوص قرآنه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم

 

طالع الحلقة الخامسة :

 

مليون فرنك للشعب العربي الذي يستبدل العربية باللاتينية 

 

 

من مصادر البحث :

1- أباطيل وأسرار ـ محمود محمد شاكر.
2 ـ التبشير والاستعمار في البلاد العربية للدكتور عمر فروخ والدكتور مصطفى الخالدي.
3 ـ الاتجاهات الوطنية في الأدب الحديث ـ للدكتور محمد حسين.
4 ـ حصوننا مهددة من داخلها ـ للدكتور محمد محمد حسين.
5 ـ الغارة على العالم الإسلامي ـ شانتليه.
6 ـ عبقرية اللغة العربية ـ محمد مبارك، بحث منشور في مجلة «المسلمون» ج ٢٤ م، ١٣٧٥ هـ ـ ١٩٥٦ م.
7 ـ الموسوعة الميسرة المصورة ـ حنا أبو راشد

8-المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي ـ إبراهيم خليل أحمد.
٩ ـ تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر ـ للدكتورة نفوسه زكريا سعيد.
١٠ ـ من حاضر اللغة ـ سعيد الأفغاني.
١١ ـ دعوة العامية ـ للدكتور سعيد شهاب الدين.

 

كاتب وكتاب

 

رسالة اللغة العربية بين شعوبيين للدكتور محسن عبد الحميد - يرحمه الله

 

مقتطف من رسالة (اللغة العربية بين شعوبيين) كتبها د . محسن عبدالحميد – يرحمه الله – تقع في 23 صفحة حجم صغير ، طبعة عام (1397هجري – 1977م)  ، الناشر : مكتبة القدس – بغداد ، مقتنيات مكتبة مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت .

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

 

تواصل مع تراثنا 

 

اترك تعليقاً