الحلقة 23
سوالف التاريخ من بلاد الشرق والغرب

تراثنا – التحرير :
قال الكاتب سمير الشيخاني في مقدمة كتابه “التاريخ الصغير ) : في يقيني أن لا شيء يحل محل النادرة اللطيفة ، فهي تقرب منا أؤلئك الذين يجعل الُبعد منهم أناساً عظاماً، أو أناساً مشوهين ، انها في الواقع الرسوم التي تزين مجلداً ضخما “.

في الحلقة 23 ، يتناول المؤلف غرائب وعجائب ولطائف منتقاة عن أكثر الملكات تعرضا للاهانة وسوء المصير بعد العز وعلو الشأن ، ،فقرات مقتطفة من ص (82 -83) .
انتحار ويأس وقنوط

كليوباترة.. ملكة مصر وساحرة النيل ، توفيت لأكثر من ألفي سنة ، ولكن شهرتها ما تزال تلمع وهاجة عبر الأجيال الطويلة المظلمة .

انتحرت وهي في التاسعة والثلاثين ، إلا انها في حياتها القصيرة الصاخبة قد سيطرت على مشاعر رجلين ، من أعظم الرجال في التاريخ ، وأحبت قائدين عسكريين من أبرز القادة ، هما يوليوس قيصر وماركوس انظونيو .
لقد خشيت كليوباترة ان تُقاد إلى رومة مقيدة بالسلاسل ، ليطاف بها في الشوارع ، وتصبح هدفاً للسخرية ، بعد أن انتحر انطونيوس بطعنة مميته ،ولفظ أنفاسه الأخيرة في حضنها ، فانتحرت بدورها بالسم ، دون أن تُعرف الطريقة التي لجأت إليها لادخال السم إلى جسدها .
فالذين رأوها بعد موتها بعشرين دقيقة مختلفون في ذلك ، فمنهم من يقدّر انها عضت نفسها ثم أفرغت في الجرح سم أفعى ، ومنهم من يجزم بأنها طلبت أن تُحمل إليها افعى داخل سلة مملوءة زهوراً ، وأنها جعلت هذه الافعى تلسعها في صدرها .
موت مروع

قصة السلطانة شجرة الدر المصرية ، التي تحتل مقاماً مرموقاً في امبراطورية النساء في الشرق ، هي قصة حسد وثأر ، قصة حياة ترف وتنعّم ،وموت مروع في اطار الدم والمذابح .
تروجت السلطان من الملك الصالح أيوب ، ونعمت معه برخاء وسعادة ، تشاطره مجده وقوته ورفعة شأنه ، وبعد وفاته في المعركة التي دارت رحاها في المنصورة مع الملك الفرنسي لويس التاسع ، المعروف بلقب “القديس لويس ” ، اسودت الدنيا في عينها ، وعملت جهدها لحبس النبأ المفجع عن شعبها المناضل .
وبعد أن تخلصت من خصمها العنيد في سورية ، طوران شاه ، أبن زوجها الملك الصالح ، أعلنت نفسها سلطانة على مصر ، وتسمت ب “المعتصمة الصالحية أم خليل ، عصمة الدنيا والدين وملكة المسلمين” .
وكانت المرأة الوحيدة التي جلست على عرش الخلفاء في مصر ، ولما كان من المتعذر عليها ، بل من المستحيل ، ان تمارس السلطة لأنها أمرأة ، فقد تزوجت الشاب الوسيم ” أيبك” أحد الأمراء المماليك ، فلما فكر هذا في زواج جديد ، ثارت ثائرتها لخيانته ونكرانه جميلها ، فدبرت قتله على أيدي عبيدها .
وعرف الأمراء المماليك بمقتل الأمير أيبك ، فجمعوا جموعهم ، واقتحموا القلعة الملكية ، وقتلوا السلطانة الشابة سنة 1267 م ، وتركوا جثتها على قارعة الطريق بعد أن نهبوا قصرها ، ولم يتركوا إلا فرسها وحزامها المزركش .
زنوبيا تُقيد بالسلاسل الذهبية

زينب ، ملكة تدمر التي عُرفت باسم زنوبيا أو الزبّاء ، كما يسميها العرب ، من الشخصيات النسائية الفذة ، اشتهرت إلى جانب جمالها وشجاعتها ، بفن السياسية والادارة .
وقد اجمع المؤرخون على أنها كانت كثيرة التردد على مجالس الحكماء ، والفلاسفة ، ومن اشهر اساتذتها الفيلسوف لونجينوس الذي اتخذته مستشاراً .
وقُدر لسلطانة الشرق أن تتربع على عرش تدمر بعد وفاة زوجها الملك أذينة ، فأحبها شعبها وأخلص لها ، وازدهرت تجارة مملكتها التي كانت تمتد بين نهري الفرات والنيل ،في وقت من الأوقات .
وعندما نشبت الحرب بين تدمر ورومة زمن الامبراطور اوريليانوس ، انهزمت زينت التي كانت في طليعة قواتها المسلحة ، بعد دفاع مستميت ،وحاولت الاستنجاد بالفرس ، وهربت على ظهر ناقة شطر الفرات ، فلحق بها الرومان وقبضوا عليها قبيل عبورها النهر ، واقتيدت وأولادها أسرى إلى رومة ، حيث أقيم احتفال كبير بالنصر ، سارت فيه ملكة تدمر مقيدة بالسلاسل الذهبية ، وعلى رأسها التاج يتبعها أولادها .
وأما ما حدث لزينب بعد ذلك ، فتضاربت فيه الأقوال ، فمن قائل انها ماتت حزينة لفقدها مجدها ، ومن قائل أن الامبراطور أوريليانوس منحها داراً فخمة على نهر التيبر ، عاش فيه مع المواطن الروماني الذي تزوجته .
طالع الحلقة 22 :
ملوك وأمراء بين كثرة الإنجاب وتبذير الأموال
يتبع لاحقاً ..
كاتب وكتاب

مقتطفات من كتاب (التاريخ الصغير) ، لمؤلفه سمير شيخاني – يرحمه الله – يقع في 266 صفحة حجم وسط ، طبعة عام ( 1403هجري – 1983م) ، مقتنيات مكتبة مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت ، (قسم فهارس المكتبات الأهلية ) : مهداة من مكتبة الوقف الخاصة بالشيخ عبدالله الخضري – يرحمه الله) .
تواصل مع تراثنا
