الحلقة الرابعة والأخيرة
علم تحقيق المخطوطات وتكسب الدخلاء

تراثنا – د . مقبل التّام الأحمدي * :
أبدى د. مقبل التام الأحمدي امتعاضه الشديد في مقال موسع كتبه لما آل إليه حال العاملين في حقل تحقيق المخطوطات في الوقت الحاضر مقارنة مع الأقدمين .
ونعت د. الأحمدي هذه الاصناف بأنها تنتهج التربح والتكسب من مهنة التحقيق ، حيث عمل بها من لا يجيدها ، فتحولت من رسالة سامية إلى عمل ومهنة يزاولها سواد الناس كما جاء في الحلقة الاولى نشرتها تراثنا .

بعد استعراضه في الحلقة السابقة تصنيفات ومسميات عدة من أطلقها على من يعملون اليوم في اخراج النصوص ، يختتم مقاله بمناشدة يدعو فيها العلماء الذين يمثلون (البقية الصالحة) في هذا المجال ،إلى وضع ضوابط لأصول علم التحقيق وفروعه لكي تعتمدها المؤسسات الرسمية لمنع ما وصفه بالشر المستطير القادم !
الجيل الصاعد قادم من الخليج العربي

وفي الحلقة الرابعة والأخيرة يقول د . الأحمدي :
وبرغم قتامة كل ما تقدم ، فثمة مواهب مفردة ما تزال في الشام والعراق ومصر والمغرب العربي وغيرها من البلدان ، بل أن ورثة علم التحقيق اليوم ، قد يكونون هم الجيل الصاعد في الخليج العربي ، حيث الاستقرار والاقتدار ، ووجود المكنة الصريحة ، والاستطاعة الظاهرة ، فهم اليوم من يقتنون نوادر الكتب ،ويبذلون المال لتحصيل المظان ، في الوقت الذي صار غيرهم في أصقاع شتى ولأسباب مختلفة يبذلون العلم لتحصيل المال .
ويحسن قبل إنهاء هذا العرض إطلاق دعوة جادة تُصان فيها كرامة المحققين عن طريق إنشاء ( مركز تحقيق نوادر المخطوطات ونشرها) .
وفي إحدى العواصم ذات الريادة والعناية بكل ما يعين على نهوض هذه الأمة وبعث تراثها وإحيائه ، فيكون لهذا المركز مشروعات متميزة في العناية بالتراث العربي وتحقيقة ونشره ، وفي ترويح علوم اللغة العربية وآدابها على أيدي البقية الصالحة من ورثة علم التحقيق.
الأفتقار إلى الفهرسة

وليس يخفى أنه مازالت ألوف مؤلفة من المخطوطات العربية والإسلامية النفيسة والنادرة ، مما سعى إلى تطلابه واستجلابه من أصقاع وأمصار شتى ، ثم جمعه وحفظه ، لا تجد طريقها إلى التحقيق الجاد والعناية اللائقة بها طبعاً ونشراً، بل يفتقر كثير منها إلى الفهرسة العلمية التي تمكن الباحثين من العثور عليها ومعرفة ما فيها فحسب .
ومازال في كثير من العلوم العربية والإسلامية ثغراب وفراغات من المصادر الأساسية التي اعتمد عليها من سبقنا ، ويحتاج إليها علماء هذا العصر في أعمالهم ، وفي استكمال الصورة الكاملة لعلومهم ، تروي ظمأهم ، وتنقع صداهم ، وتقنع طموحهم ، بل وإن كثيرا من المنشور في هذه العلوم ،ومازل دون ما تستحقه تلك الكتب الأمهات من الخدمة والبحث والتمحيص .
تسهيل الوصول الى التراث

وبرغم أنه قد بُذلت جهود كبيرة منذ عُرفت الطباعة بالحرف العربي للعناية بالتراث العربي فهرسة وتعريفاً وتحقيقاً ونشراً ، فما زال الطريق طويلاً ، والجادة لاحبة ، في كل نواحي العناية بهذا التراث العظيم ، وليس أقل هذه النواحي ، بل لعله أخطرها ، تعريف الناشئة وشُداة الباحثين بهذا التراث ، ونقل الخبرات إلى جيل جديد من المتشوقين إلى الأطلاع على تراث في صيانته ونشره ، وفي رؤيته في أيدي طالبيه سهل المأخذ قريب التناول ، يسر النظر ، يصح به الخاطر .
أخراج التراث من مكتبات النخبة
وإن العناية بالتراث وفنونه وعلومه ، لا يمكن أن تُؤتي ثمارها المرجوة بجلب المخطوطات من بلد إلى بلد ، أو بتغيير أماكن مبيتها وسكناها ، حتى لو أجتلبت من أقاصي الأرض إلا بنشرها محققة مكسوة حُللا قشيبة ،و أن تخرج من محابسها في بطون الكتب ومخابئها في رفوق المكتبات ، ومن دوائر النخب المتخصصة ، إلى رحابة المجتمع ، وحيوية التداول والتفاعل ، خصوصا بين شباب الباحثين المثقفين ،وإلى أدوات العصر البصرية السمعية ، وشبكات التواصل المشاركة ، والتي صارت في كل يد ، ولها إيقاعها وأدواتها العصرية.
بلاء مستطير
وخلاصة الأمر ، أن مسمى التحقيق صار مدخلاً للإساءة إلى التراث ، وقد رأيت ذلك بأم عيني ، إذ مر بي ذات يوم أحدهم ، عندما كنت وكيل وزارة الثقافة لقطاع المخطوطات ودور الكتب في الجمهورية اليمنية ، وقد كان قد نشر كتاباً تحت مسمى التحقيق ، فأراني إياه ، وهو به علي مُدل ، فلما استعرضته وجدته يدل بما على جهله يدل ، فلا ضبط فيه إلا للفظ الجلالة ، ولا تحشية إلا لترجمة الأنبياء ، ولا فهارس إلا للقارات والعواصم ، فعلمت وقتها إن البلاء مستطير ، وأن الخروج منه في أمد قريب غير يسير ، وأن التراث والتاريخ في مهب الهواء والريح.
مطلوب شهادة كفاءة
ولذا فإني أدعو اليوم البقية الصالحة من العلماء إلى وضع ضوابط لأصول هذا العلم وفروعه ، يحملون فيها المؤسسات الرسمية في الدول العربية على ضرورة اعتماد مستوى (الكفاءة في التحقيق) ، فلا يصدر كتاب في التحقيق إلا بعد حصوله على شهادة الكفاءة ،علّه يسلم لنا ما بقى من تراث أمتنا غير محقق ، أو تسلم النصوص المحققة التي يسطو عليها اليوم أُجراء دور النشر ذريعة نفاد الطبعات القديمة ، وضعها من قبل علماء الأمة.
نقلا عن تراثنا – العدد 94

تواصل مع تراثنا

