خذوا العبرة من الحضارات البائدة

تراثنا – د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :
السومريون من الاقوام السامية ، التي سكنت وادي الرافدين ، في القسم الجنوبي من العراق ، في حدود منتصف الألف الرابع قبل الميلاد ، كانوا من المؤسسين الأوائل لمقومات الحضارة والعمران .

حضارة عمران ومُثل عُليا
ولا أود أن في مقالتي هذه ذكر حضارتهم وتطورها ، فالمكتشف منها أكبر دليل وبرهان على ابداعاتهم في الحضارة المادية ، فأسس العمارة والفنون والنظم الاجتماعية والسياسة ، إلى غير ذلك ، من مقومات الحضارة أثرت كما يقول علماء الآثار – أثراً بارزاً في تقدم شعوب الشرق الأدني ، إذ أنهم أول من وضع المُثل العُليا في الأخلاق ، ولعلهم تأثروا بالشعوب والحضارات التي بعث الله لها أنبياء ورسلاً يتلون كتب الرسالات التي أُنزلت عليهم .
الأنسان صُنع من طين !

يقول صمويل كريمر :أن المفكرين السومريين ، هم منساقون بوجهة نظرهم عن العالم والحياة ، لم يكونوا كثيري الثقة بالإنسان وبمصيره ، إذ اعتقدوا اعتقاداً جازماً بأن الأنسان صُنع من “الطين” .
وأنه خُلق من أجل غرض واحد فقط ، ذلك هو أن يعبد الآلهة ويخدمها ، واعتقدوا بأن الحياة يكتنفها الشك والالتباس ،وتحدق بها الأخطار ، لان الإنسان لا يعرف مقدماً المصير الذي قدرته الآلهة !
العدالة الاجتماعية وحماية الضعفاء
ومما كتبه السومريون وحفظته المتاحف العالمية ، كمتاحف العراق وتركية و سورية وغيرها أخلاقيات رفيعة تدعو إلى : حب الخير والصدق والقانون والنظام والعدالة والحرية والصلاح والاستقامة والرحمة والرأفة .
كما كانوا يمقتون الشر والكذب والزور وعصيان القانون والاخلال بالنظام والظلم والاضطهاد وارتكاب المعاصي والضلال والصرامة وتحجر القلب .
وكان ملوكهم يتباهون دائماً بأنهم اقاموا القانون والنظام في البلاد ، وحموا الضعيف من تسلط القوي ، ومحوا الشر ، والظلم والعنف .
قوانين العدالة السومرية

في مدينة “نفر” في عام 1951م ، اكتشف علماء الآثار ، منهم صمويل كريمر ، ترتيلة سومرية ، قوامها 250 سطراً من بين 19 لوحاً ، كان فيها اوضح الأقوال في السلوك والأخلاق لمن تعدى على القوانين ،و مما جاء فيها :
– من سلك سبيل العدوان واغتصبت يده ما لا ليس له ..
-من نظر نظرة رضا إلى مواطن الشر .
-من بدل الوزن الكبير بالوزن الصغير .
-من أكل ما ليس له ولم يقل ” أكلته ” .
-من قال لأكلن ما حرم .
-من قال لأشربن ما حُرم .
الرسالة التامة للبشرية

بأبي وأمي أنت يا رسول الله صلى الله عليك وسلم ،جئت لتتميم مكارم الأخلاق ، فأنت الطوية المكملة للمبني الجميل ،وأنت الرحمة المهداة للعالمين ، وأنت كما قال رب العزة والجلال “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ” سورة القلم – آية (4)، وأنت الكريم أبن الكريم ، لم تترك شيئاً من أمور الدنيا والدين الا وقد بينته لامتك ،وانتقلت إلى الرفيق الاعلى وقد أتممت الرسالة وقد بلغت الامانة .
دللتنا على حرام الله من حلاله ، وما بينهما من مشتبهات ، حتى الجار اوصيتنا به ، بل والضيف والفقير المسكين واليتيم ،وطلبت منا ، كما جاء في كتاب ربنا ، الوصية بهم والحنو عليهم ، فأي قانون ونظام وشرائع أفضل من أولئك الاقوام من تمسكهم بالقوانين التي وضعوها لهم ، لاستقرار الحياة إلا أن مرجعهم آلهتهم ، التي تموت ، وأهواؤهم وقوانينهم الوضعية ، التي تبور ، والمسلمون في شريعتهم يرجعون إلى رب غقور ودود حي دائم لا يموت .
التساؤل الذي يطرح نفسه : هل الدولة السومرية الوثنية البدائية أصبحت أفضل من دول اليوم المتحضرة بظلمها وبطشها وجبروتها ضد البشرية ؟ أو أصبح الخُلق والسمت والوقار من التراث والرجعية ؟
والله الهادي إلى سواء السبيل ..
*رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا
