دراسة تاريخية توثيقية (الحلقة الثالثة)
وَمَضَات من كتاب المعهد الديني في الكويت

تراثنا – أ . محمد رومي الرومي :
في اطار استكمال الظروف المحيطة بافتتاح المعهد الديني في الكويت عام 1959م ، وتحديد اهدافه ومناهجه ، نقتطف من ذكريات الشيخ أحمد الأباصيري – يرحمه الله – أجواء الافتتاح الرسمي والخطب التي ألقيت في حضور رئيس المعارف الشيخ عبدالله الجابر الصباح .
بداية الزيارة

يوضح الشيخ أحمد الأباصيري أنه : في يوم الاثنين 13من أكتوبر : دعانا سمو الشيخ عبد الله الجابر إلى مأدبة عشاء في قصره ، وتكلم كثيرون شعراً ونثراً في محامد الشيخ ، وقد ألقيت كلمة عن نهضة الكويت ، ووجوب مضاعفة العناية بالتعليم ، ووجوب غرس العقيدة والإيمان في نفوس العاملين لنهضة الكويت، وأن يتعاون الجميع ويتآخوا في سبيل النهضة ، وقد نشرت (مجلة البعثة) وصفا لتلك المأدبة، وملخصاً لتلك الكلمة التي ارتجلتها ، وفيما يلي ما نشرته المجلة..
في ضيافة رئيس المعارف

أقام حضرة صاحب السعادة الشيخ عبد الله الجابر الصباح رئيس المعارف بالكويت في مساء 13 من أكتوبر الماضي حفلة عشاء في قصرهِ ، حضرها عددٌ كبير من الأساتذة المنتدبين المصريين، كما حضرها بعض الصحفيين من مصر وهما الأستاذان إسماعيل الحكيم وزكريا خليفة ، وصحفي عراقي هو الأستاذ إسكندر المعلوف ، وقد جلس الجميع قبل المأدبة ، يتوسطهم سعادة رئيس المعارف ، وتحدثوا كثيراً في مختلف الأمور العربية والإسلامية ، واستعرضوا صفحات من تاريخ الجهاد الذي قامت به الكويت ، لحماية ذمارها من عدوان المعتدين ، وكيف أظهر الكويتيون أثناء الأزمات شجاعةً وثباتاً وإقداماً . وكان من الموجودين الأستاذ عبدالعزيز حسين مدير المعارف، والسيد سليمان العدساني مدير إدارتها ، والاستاذ درويش المقدادي نائب مدير المعارف .
كلمات الحضور

وبعد العشاء خطب الأساتذة : إسكندر المعلوف الصحفي، وعبدالعزيز الغربللي سكرتير مدير المعارف، وأحمد أبوبكر إبراهيم المفتش للغة العربية ، والشيخ رياض هلال وكيل شيخ المعهد الديني، والشيخ أحمد الشرباصي مبعوث الأزهر إلى الكويت وصديق (البعثة).
وقد أجمع سائر الخطباء على وجوب التعاون بين أبناء البلاد العربية ، حتى يتكاتفوا في بناء الوطن العربي على أساس متين من الثقافة العالية والعلم الصحيح والإيمان السليم .
وفيما يلي خلاصة للكلمة التي ألقاها صاحب الفضيلة الشيخ أحمد الشرباصي في ذلك الاجتماع ، قال فضيلته : ” سعادة رئيس المعارف..أيها السادة : لقد تحدثنا الآن طويلاً عن الأدوار التي مرت على إمارة الكويت العزيزة الغالية وهي تجاهد من أجل حريتها وكرامتها ، ودفع عدوان المغيرين عليها المريدين الفناء لها ، وهذه الأدوار تظهر بجلاء ووضوح مبلغ ما فطر عليه الكويتي من شجاعة وإقدام ، وإباء للضيم وترفع عن الهوان .
أهمية العلم

ومن الواجب علينا وقد عرفنا هذه الناحية خير معرفة أن نذكر ناحية أخرى لها جلالها وخطرها وقيمتها في نهضة الكويت الحاضرة ، تلك هي ناحية العلم ، فالعلم هو الذي يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات ، والعلم هو الذي يقيم الحياة ويسمو بالأحياء ، والعلم هو الذي يحرر الأمم من أغلال الجهالة والذلة، ويقود الشعوب إلـى العظمة الصحيحة والحضارة الصالحة .
بوادر نهضة علمية
وقد بدت في الكويت الآن بوادر نهضة علمية ، وبشائر وثبة ثقافية ، أعتقد أنها لو استمرت في طريقها المستقيم، وتعاونت الأيدي والهمم والعزائم على دوامها ، لبلغت بها الكويت كل ما يتمناه لها العربي المسلم الغيور ..
الاجتماع على المائدة
وحينما جاءتني هذه الدعوة من الرئيس ، وأخبرني أخي مدير المعارف أن سعادة الشيخ يريد أن نكون في قصره عند الخامسة مساء ، قلت في نفسي : هذا أمير عربي كريم، قد بسط الله له في الجاه والمال والثروة ، وهو يريد أن يبسط يده السمحة البارة بجوانب مما وهبه الله للصفوة من ضيوفه الذين يمثلون جامعة إسلامية عربية صغيرة ، وهو يريد أن يعجل لهم هذا الإكرام قبل المساء ، وفي وقت مبكر ، وقدرت ما ينتج عن إقبال طعام العشاء على طعام الغداء ، والوقت بينهما حسب الموعد قليل أو قريب المسافة ، ومائدة الأمير من غير شك حافلة بأطيب الآكال والثمار، مما يظهر الكرم العربي الأصيل ، الذي يتبدي على رمال الصحراء ، فيحيلها إلى روضة غناء ، وإن شح فيها الزرع والماء .
الثناء على الحاضرين
قدرت كل هذا ، وفكرت فيه وأنا قادم إلى رحاب الداعي الكريم – ولا أكتمك الحقيقة يا سيدي – ولكني بلغت المكان ، فإذا نخبة مختارة من كرام الزملاء والصحاب ، وإذا الداعي واسطة العقد في حلقة الاجتماع ، وإذا شؤون وشجون من الحديث والسمر الحلو ، تتفرع وتتشعب وتتوزع ، وإذا ندوة ثقافية ، حلوة ممتعة ، صال فيها فرسان الكلام والفكر ، واستفاد منها القلب والعقل ، وكان رئيس المعارف فيها نصيب مذكور دلنا على معرفته وألمعيته وحصافته ..
اجتماع الكرم والعلم

ثم انتقلنا من ظلال الأشجار في مستراح الرئيس إلى رحبة ديوانه الفسيح ، فرأينا مجموعة من الصحف والمجلات والكتب المصرية وغيرها أشعرتنا بأن رب الدار مع من حوله حريص على الثقافة والمعرفة ، طالب للعلم مهما بعد مصدره ، ومهما شط منبعه .
وأخذ رئيس المعارف بعد هذا يقص علينا من ذكرياته الشخصية والعربية والاجتماعية ما جعل الحاضرين – وفي طليعتهم خطباؤهم – ينوهون بذلك في إفاضة وتوسع ، ومن هنا قلنا : لا عجب إذن أن يكون هذا الرجل قائد النهضة العلمية في إمارة الكويت المتوثبة الطموح، فقد جمع الله له بين بسطة الكرم، وبسطة العلم، ومتى اجتمع المرء قدرة اليد وغزارة العلم فقد صلح للقيادة والتوجيه ، ولا أحب أن أفيض في قرائن وأمثال لهاتين الصفتين ، فقد كفاني الخطباء السابقون أداء ذلك الواجب .
يتبع لاحقا ..
تقلاً غن مجلة تراثنا – العدد 95

تواصل مع تراثنا

