الحلقة 2
كسوة الكعبة في الحقبة الملكية بمصر

تراثنا – إبراهيم إبراهيم عبدالفتاح :
الاحتفال بخروج المحمل المصري وعودته من أهم الاحتفالات الرسمية والشعبية التي كانت تقام في مصر .والتي جذبت اهتمام المستشرقين والرحالة الأجانب ، فراحوا يسجلون ما يشاهدونه ، إما كتابة ، أو تصويراً بالفرشاة ، أو بعدسة ا لكاميرا عقب اختراع التصوير الفوتوغرافي .

نستكمل في الحلقة “الثانية”جولة الكاتب والمستشرق البريطاني سيمون هنري ليدر (1865 – 1930م) ،الذي يعد أول مستشرق يحصل على رخصه تتيح الاطلاع مباشرة على كل ما يتعلق بالكسوة الشريفة ، حيث يزور مقر حياكة الكسوة ، فيقول :
مقر تجهيز الكسوة

يطلق على هذه الدار اسم “مصلحة الكسوة الشريفة ” ، وظهرت باسم “مشغل الكسوة الشريفة” ، على خرائط مدينة القاهرة ، تقع بشارع الخُرنفش ،وكانت في الأصل بيتاً كبيراً من بيوت الأمراء ، ثم جعله محمد علي باشا (1220 – 1264 هجري / 1805-1848م) ورشة كبيرة ليجتمع بها أرباب الصنائع القادمون من بلاد الفرنج ، ثم بطلت و أصبحت محلا لصناعة الكسوة الشريفة .
وذكر ليدر أنه يُدخل إليها من باب معقود ، ويُفتح على فناء مربع ، مما يُوفر للمنزل إضاءة وتهوية ومساحة إضافية ، ويشير أنه عند زيارته لهذا المكان ، استقبله ” بك السجادة” بحفاوة ،وأطلعه على كافة التفاصيل .
مقر الكسوة مقدس
وكان أول ما لفت انتباه ليدر عقب دخوله دار الكسوة سماع شيخ يقرأ القرآن بصوت ندي في شرفة تطل على الفناء ، وقيل له أن هذا المكان هو المصلحة الحكومية الوحيدة التي يُقرأ فيه القرآن الكريم ، وأن هذا المكان مقدس كحرمة المسجد في أوقات الصلاة .
بعد ذلك دخل ليدر غرفة طويلة رأي فيها أنوال الغزل ، حيث يُحضر الحرير الأصفر الخام قبل صباغته ، ثم رأى بعد ذلك كيف كانت تُنسج هذه الكسوة .
أزياء العاملين

يذكر ليدر أن عدد العاملين في دار الكسوة يبلغ سبعين رجلاً ، يرتدي كل منهم رداء بلون كريمي ، مُزين بنقش صغير من الذهب القديم ، لتمييز طبيعة عملهم الخاصة ، وهذا الزي يتم نسجة يدوياً ، لذا فهو يتميز بمتانته وقوة تحمله ، لدرجة أن ” البك ” أكد له أن هذا الزي قد يدوم معهم ويستمرون في ارتدائه لمدة خمسين عاماً!
يتم ارتداء هذا الزي خلا ل الموكب أثناء مرور المحمل والكسوة أمام الخديو ، بحيث يمكن التعرف على العمال الذين قاموا بتصنيعها ، وقد أقام أثنان أوثلاثة من الرجال ، بارتداء ملابسهم المميزة هذه ، مما أتاح له ألتقط صور فوتوغرافية لهم .
الحاج أحمد الصعيدي
كان من حسن حظ ليدر التقائه بواحد من كبار الموظفين وهو الحاج أحمد الصعيدي ، الذي يعمل في دار الكسوة منذ خمسين عاماً ، بعد أن خلف آباءه في هذه المهنة ، وذكر ليدر أن هذه المهنة مهنة متوارثة في عائلته ، تحملها عائلة الصعيدي عبر الأجيال ، ولا يعرف سرها إلا هو وإبنه ، وعلق على ذلك بأن انتقال الحرف و العادات بالوراثة هي عادة متأصلة في الشعوب العربية ، منذ أقدم العصور ، وهذا ما يمنح أنسابهم وتقاليدهم مصداقية كبيرة .
أشار ليدر إلى أنه على الرغم من أن الحاج أحمد الصعيدي لم يُرحب بوجوده في البداية ، ولا باهتمامه الشديد بعمله ، فإنه سرعان ما أصبح ودوداً ، لدرجة أنه أصبح مستعداً لأن نلتقط له صورة فوتوغرافية ، ولعل موقف الحاج أحمد الصعيدي في البداية كان لكون ليدر أجنبياً غير مسلم ، والمكان بالنسبة لهم له قدسية خاصة .
الحلقة الأولى :
المحمل المصري في ضوء مشاهدات المستشرق ليدر
يتبع لاحقاً..
نقلا عن مجلة تراثنا – العدد 94

تواصل مع تراثنا

