ذكريات كتبتها مونرو عام 1954م – الحلقة الثالثة
إمارة الكويت في منظار زائرة انجليزية

تراثنا – د. محمد بن إبراهيم الشيباني * :

تنشر تراثنا سلسلة حلقات منتقاة من رسالة علمية بالإنجليزية غير مطبوعة عن إمارة الكويت للكاتبة الإنجليزية إليزابيث مونرو هو ضمن البحوث التي أُلفت عن الكويت في بدايتاها (1374هـ/ 1954م) .
تتناول فيه تفاصيل دقيقة عن قصة اكتشاف النفط وإنتاجه وتصديره ، ثم ترجع المؤلفة إلى عام (1899م) وتواريخ ما بعدها وتظهر موافقة الشيخ مبارك الصباح للبعثة الطبية التبشيرية الأميركية وإعطائهم أرض لبناء المستشفى الأميركاني، ثم ذكرها البعثات التعليمية للبنين والبنات ورجعت إلى عام : (1938م /1338هـ) ثم تذكر مشيخة الكويت ..
المؤرخة مونرو :
-
الشيخ أحمد الجابر الصباح يُعد متقدماً على عصره إذ أسس مدرسة للبنات وعين لها معلمات مصريات عام 1938م .
-
الكويتيون أظهروا اهتماماً فورياً لأسرة الصباح التي حولت ثروة البلاد إلى خدمات رعاية لشعبها نابع من موقفها الأبوي .
-
المشيخة الحديثة في الكويت واجهت عراقيل وعقبات كثيرة في إعداد الميزانيات لأنشاء المشاريع التنموية في بداياتها .
في هذه الحلقة – الثالثة – نستكمل ما دوَّنته الكاتبة الإنجليزية في دراستها التوثيقية ، إذ تقول عن التطورات الجديدة بعد اكتشاف النفط :
تحويل الثروة إلى خدمات مميزة

الاهتمام الفوري والهائل الذي أظهره جميع الكويتيين، من الحاكم إلى الشعب، في تحويل ثروتهم إلى خدمات رعاية نابع جزئيًا من الموقف الأبوي الذي تتبناه أسرة الصباح تجاه إقليم تعده كما يعده المالك الجيد ممتلكاته الخاصة، وجزئيًا من درجة الانفتاح التي تعود بها المجتمعات التجارية والبحرية بالأفكار الجديدة. فمنذ عام 1912، سمح الشيخ مبارك بتأسيس بعثة طبية أميركية لرعاية شعبه. وكان الشيخ أحمد، وفقًا للمعايير الخليجية العربية ، متقدمًا على عصره حين أسس مدرسة حكومية للبنات عام 1938، وعيّن معلمات مصريات. وعند وفاته في 1950، كان قد أنشأ إدارة صحية حديثة، تضم جراحًا بريطانيًا كرئيس طبي، ومستشفى صغيرًا صممه مهندس فلسطيني، ووحدة طبية مدرسية، وعيادة متنقلة لقرى الكويت القليلة، وفريقًا من الأطباء والممرضين العرب والمصريين والبريطانيين، مع سياسة تفضيل توظيف العرب ما لم يتعذر إيجاد كفاءات مناسبة. ومنذ ذلك الحين، وُجه استخدام عائدات النفط لإنشاء خدمات رعاية صحية تُعد مفخرة الشرق الأوسط ومفتوحة لكل من يرغب في القدوم إلى الكويت.
ومع نمو الدخل ليبلغ مستويات عالية، أصبح من الضروري تفويض بعض السلطات إلى الدوائر الحكومية. وتولّى كبار أفراد أسرة الصباح مهامًا تحولت تدريجيًا إلى وزارات مسؤولة عن الأمن العام، والتعليم والعدل، والصحة، والتنمية، والأشغال العامة، وطبعًا، المالية.
الاستعانة بالخبراء لقيام الدولة
استعان ببعض هذه الإدارات بخبراء فنيين، أحيانًا بريطانيين، وأحيانًا سوريين أو فلسطينيين. وكان التوجيه العام في كل حالة كويتيًا. كانت إحدى الصعوبات، وفقًا للمعايير الغربية، صعوبة العصور الوسطى، ففي منطقة كانت جميع إيراداتها تذهب دائمًا إلى الخزانة الخاصة، ولم تكن فيها حاجة للمحاسبة، لم يكن هناك مفهوم لنظام ميزانية. ومن المعروف أن تطبيق مثل هذا النظام صعب للغاية بين شعوب اعتادت منذ زمن طويل على نمط حياة يدفعها إلى اعتبار الراتب المنتظم أمرًا محفوفًا بالمخاطر وغير مهم مقارنةً بالمكاسب الفورية المحققة من المعاملات اليومية.
في البداية، طُلب من الإدارات عبثًا تقديرات موثوقة؛ وكان كل منها يميل إلى التردد لضمان عدم طلب أي جهة أخرى المزيد؛ وقد أزعج عدم دقتهم وتنافسيتهم بشدة المستشارين والمسؤولين الذين استدرجوهم من بلاد الشام أو الهند أو بريطانية، والذين تدربوا على الممارسات الإدارية التقليدية في البلدان الفقيرة ، مع ذلك، وبحلول شتاء عام ١٩٥٢، نجح الخبراء الأجانب وأصحاب عملهم الكويتيون في وضع خطة تنمية مدتها ست سنوات تُلبي جميع الأذواق.
خطة للميزانيات

كانت الخطة، كما وُضعت آنذاك، تندرج ضمن نطاق محفظة خاصة كانت على وشك أن تتلقى، بالأرقام التقريبية، دخلاً لا يقل عن ٥٠ مليون جنيه إسترليني سنويًا. كان الهدف هو إنفاق رأسمالي على التنمية قدره ٩٠ مليون جنيه إسترليني على مدى ست سنوات؛ شريطة أن يُحافظ الإنتاج والسعر العالمي للنفط على مستوى جيد، وكان من شأن ذلك أن يُبقي مبلغًا مُعادلًا على الأقل للنفقات الجارية ومبلغًا مماثلًا للاستثمار في حالات الطوارئ. من بين البنود الرئيسية المُتوخاة، ١٤ مليون جنيه إسترليني للمدارس، بما في ذلك مدرسة فنية ضخمة وخدمة وجبات مدرسية لجميع الأطفال؛ ١٥ مليون جنيه إسترليني للمباني الحكومية؛ ١٠ ملايين جنيه إسترليني لمشاريع الطاقة الكهربائية؛ ١٣ مليون جنيه إسترليني لتقطير مياه البحر وتوزيع المياه العذبة وصرف مياه الصرف الصحي المالحة، و٨ ملايين جنيه إسترليني لميناء وأحواض إصلاح السفن وميناء للقوارب الشراعية. تضمنت التقديرات الأصلية 5 ملايين جنيه إسترليني لبناء مطار و3 ملايين جنيه إسترليني لبناء فندق فاخر؛ حتى بالنسبة لمكان يسعى للحصول على أفضل الخدمات العامة في العالم، كان هذان الرقمان الأخيران ضخمين، وقد بدأ الكويتيون، بعد أن أدركوا حجم المشروع وفقًا لمعاييرهم الجديدة، يعتقدون ذلك، فأجلوا مشروع المطار وتخلوا عن فندق الدولة.
المشيخة والدولة الحديثة

ومن السلع الباهظة الثمن التي طالب بها جميع الكويتيين سرعة الإنجاز. إن عادة المشيخة في السلطة، إلى جانب الثقة بالنفس التي غالبًا ما تكون سمة من سمات البحارة، حمتهم من الريبة وعدم الثقة اللذين لازما الخطة السبعية في إيران، والتي أعاقت العديد من مجالس التنمية في أماكن أخرى. لقد مضوا قدمًا بإرادة. كان عائقهم هو أنه لا يوجد مكان في العالم تتوفر فيه تجربة سابقة لضخ هذا القدر الهائل من الأموال في مجتمع ناءٍ وصغير كهذا في وقت قصير جدًا؛ ويمكن تبرير أي شخص لفشله في إدراك جميع عواقب التحرك بهذه السرعة. ومن أجل تحقيق السرعة والجودة المطلوبة في العمل، قبل الحاكم نصيحة واحدة جلبت معه مزايا وعيوبًا؛ فقرر منح شركة شيرميد الرئيسة أكثر من 10000 دولار أميركي، أي ما يعادل 1.5 مليار دولار أميركي تقريبًا، على أساس عدد محدود من المقاولين البريطانيين من الدرجة الأولى.
وكان لكل منها شريك كويتي. خمسة منها إجمالًا، كانت مخصصة لبناء المرافق العامة الرئيسة وأجهزة الرعاية الاجتماعية. وقد تعرض قرار عدم طرح هذه الأعمال المربحة في مناقصة عامة لانتقادات لاذعة، مما جعل مزاياه تستدعي التعداد.
*أعده وعُني به بعد الترجمة : رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا
طالع الحلقة الثانية :
اللؤلؤ الصناعي أوقع الكويت في كساد
يتبع لاحقا ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 99


تواصل مع تراثنا
