دفاعاً عن السنة النبوية (الحلقة 7)
الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام

تراثنا – التحرير :
تواصل تراثنا على موقعها الالكتروني نشر حلقات من كتاب “الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للعلامة محدث الشام الشيخ ناصر الدين الألباني – يرحمه الله .
ويدحض الألباني حجج المعارضين بالأدلة والبراهين النقلية والعقلية مؤكداً انعقاد الاجماع لدى السلف والأئمة الأربعة والعلماء بالعمل بالاحاديث الآحاد في الاعتقادات والاحكام العملية ، وان التفريق بينهما باطل وبدعة لا يعرفها علماء السلف ،وابطلها لأسباب كثيرة ذكرها .

وفي حلقتنا (السابعة )، يسترسل العلامة الألباني مستكملا بحثه ،المنشور في كتابه “الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام ” قائلاً :
فساد قياس الخبر الشرعي على الأخبار الأخرى في إفادة العلم
قال أبن القيم رحمه الله تعالم ( 3 / 368) :
” وإنما أني منكر إفادة خبر الواحد العلم من جهة القياس الفاسد ، فإنه قاس المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرع عام للأمة ، أو بصفة من صفات الرب تعالى على خبر الشاهد في قضية معينة ، و يا بعد ما بينهما !
فإن المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قدر أنه كذب عمداً أو خطأ ، ولم يظهر ما يدل على كذبه لزم من ذلك إضلال الخلق ، إذ الكلام في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول ، وعملت بموجبه ، وأثبتت به صفات الرب وأفعاله ، فإن من يجب قبوله شرعاً من الأخبار لا يكون باطلاً في نفس الأمر ، لا سيما إذا قبلته الأمة كلهم ، وهكذا يجب أن يقال في كل دليل يجب اتباعه شرعا ، لا يكون إلا حقاً ، فيكون مدلوله ثابتاً في نفس الأمر ، هذا فيما نخبر به عن شرع الرب تعالى وأسمائه وصفاته ، بخلاف الشهادة المعينة على مشهود عليه معين ، فهذه قد لا يكون مقتضاها ثابتاً في نفس الأمر .
وسر المسألة أنه لا يجوز أن يكون الخبر الذي تعبد الله به الأمة ، ونعرف به إليهم لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، في إثبات أسمائه وصفاته كذباَ وباطلاً في نفس الأمر ، فإنه من حجج الله على عباده ، وحجج الله لا تكون كذباً وباطلاً ، بل لا تكون إلا حقاً في نفس الأمر ، ولا يجوز أن تتكافأ أدلة الحق والباطل ،ولا يجوز أن يكون الكذب على الله وشرعه ودينه مشتبهاً بالوحي الذي أنزله على رسوله ، وتعبد به خلقه ، بحيث لا يتميز هذا عن هذا .

فإن الفرق بين الحق والباطل ، والصدق والكذب ، ووحي الشيطان ، ووحي الملك عن الله ، أظهر من أن يثبته أحدهما الآخر ، ألا وقد جعل الله على الحق نوراً كنور الشمس يظهر للبصائر المستنيرة ، وألبس الباطل ظلمة كظلمة الليل .
وليس يستنكر أن يشتبه الليل بالنهار على أعمى البصر ، كما يشتبه الحق بالباطل على أعمى البصيرة ، قال معاذ بن جبل في قضيته (1) ” تلق الحق ممن قاله ، فإن على الحق نوراً ” ولكن لما أظلمت القلوب ، وعميت البصائر بالإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وازدادت الظلمة باكتفائها بآراء الرجال ، ألتبس عليها الحق بالباطل فجوزت على أحاديثه صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي رواها أعدل الأمة ،واصدقها ، أن تكون كذباً ، وجوزت على الأحاديث الباطلة المكذوبة ّالمختلقة التي توافق أهواءها ، أن تكون صدقاً فاحتجت بها ! قال(2 /379) :
وإنما المتكلمون أهل ظلم وجهل ، يقيسون خبر الصديق والفاروق وأبى كعب بأخبار آحاد الناس ، مع ظهور الفرق بين المخبرَيّن ، فمن أظلم ممن سوى بين خبر الواحد من الصحابة ،و خبر الواحد من الناس في عدم إفادة العلم ” وهذا بمنزلة من سوى بينهم في العلم والدين والفضل.. ( قال 2 /379) :
سبب ادعائهم (عدم إفادة حديث الآحاد العلم ) هو جهلهم بالسنة
فإذا قالوا : أخباره صلى الله وسلم وأحاديثه الصحيحة لا تفيد العلم ، فهم يخبرون عن أنفسهم أنهم لم يستفيدوا منها العلم ، فهم صادقون فيما يخبرونه به عن أنفسهم ، كاذبون في إخبارهم أنها لا تفيد العلم لأهل الحديث والسنة .

( وقال 2 / 432) : إذ لم يحصل لهم من الطرق التي استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم ، فقولهم : لم نستفد بها العلم لم منه النفي العام على ذلك ، ( وهذا ) بمنزلة الاستدلال على أن الواجد للشيء العالم به غير واجد له ، ولا عالم به ، فهو كمن يجد من نفسه وجعاً أو لذة أو حباً أو بعضاً ، فينتصب له من يستدل على أنه غير وجع ولا متألم ، ولا محب ولا مبغض ، ويكثر له الشبه التي غايتها أني لم أجد ما وجدته ، ولو كان حقا لاشتركت أنا وأنت فيه ! وهذا غير الباطل وما أحسن ما قيل :
أقول للائم المهدي ملامته
ذق الهوى فإن اسطعت الملام لُم
فيقال له : اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، واحرص عليه ، وتتبعه واجمعه ، و( إلزم) معرفة أحوال نقلته وسيرتهم ، وأعرض عما سواه ، واجعله غاية طلبك ، ونهاية مقصدك ،بل احرص عليه حرص أتباع المذاهب على معرفة مذاهب أئمتهم ، بحيث حصل لهم العلم الضروري بأنها مذاهبهم وأقوالهم ، ولو أنكر ذلك عليهم منكر لسخروا منه ،و حينئذ تعلم : هو تفيد أخبار سول الله صلى الله عليه وسلم العلم أو لا تفيده، فأما مع إعراضك عنها وعن طلبها ، فهي لا تفيدك علما ، ولو قلت : لا تفيدك أيضاً ظناً لكنت مخبرا بحصتك ونصيبك منها ! ” ( ص40 -43).
طالع الحلقة السابعة :
الألباني : التفريق بين روايات الآحاد والمتواترة بدعة تخالف الأئمة الأربعة
يتبع لاحقاً ..
كاتب وكتاب
مقتبس من كتاب (الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام) رسالة للعلامة محدث الشام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – يرحمه الله – تقع في 68 صفحة (الحجم الصغير)، انتقاء من مكتبة الشيخ عبدالرحمن عبدالصمد الأهلية -يرحمه الله ، مقتنيات مكتبة مركز المخطوطات والتراث والوثائق (الكويت) .

تواصل مع تراثنا

