• Post published:الثلاثاء 8 محرم 1448هـ 23-6-2026م

 

الحلقة الأولى

“كتاب الحيطان”

فقه العمران في الحضارة الإسلامية

 

فن العمران العربي الإسلامي
فن العمران العربي الإسلامي

تراثنا – أ. م . د/ محمد أحمد عنب * :

لم تُبنَ المدن في الحضارة الإسلامية على الحجر وحده، بل على منظومةٍ أخلاقية وتشريعية تُنظّم علاقة الإنسان بمكانه، وتضمن العدل، وتمنع الضرر، وتحفظ السلم الاجتماعي.

 

د . محمد أحمد عنب ج جامعة الفيوم
أ .د . محمد أحمد عنب 

 

فقد تشكّل منذ وقت مبكر ما يُعرف بـ “فقه العمران”، وهو وعي تشريعي يرى المدينة ككيانٍ حي تحكمه منظومة من القيم، في مقدمتها العدالة، وصيانة الحقوق، واحترام الخصوصيات، وحسن الجوار، وانعكس هذا التصوُّر في المدونات الفِقهية التي تناولت قضايا البناء، والحدود، والطرق، والفضاءات المشتركة، لا باعتبارها مسائل تقنية بحتة، بل كشؤونٍ إنسانية تُنسّق الحياة اليومية وتُنظّم العلاقات بين الناس.

 

 

الحوائط في فقه العمارة الإسلامية
الحوائط في فقه العمارة الإسلامية

ويُعدّ «كتاب الحيطان» أنموذجًاً واضحًاً على هذا الفكر، مؤكّدًا أنّ استقامة المدينة مرآة لاستقامة المجتمع، وأن مقاصد التشريع الإسلامي أسست لتوازن دقيق بين الحقوق والواجبات، بما يُحقّق الاستقرار العُمراني والاجتماعي معًا، مِما يجعل كتاب الحيطان مثالًا حيًّا على عمق التنظيم العُمراني في الحضارة الإسلامية.

 

المؤلّفون والمحقّقون؛ كتاب صاغته أجيال من الفقهاء: لا يمكن تناول كتاب الحيطان دون الوقوف عند مسيرته العلمية الاستثنائية، وما ارتبط بها من أسماءٍ فقهية بارزة أسهمت في صياغته عبر أجيالٍ متعاقبة، في مشهدٍ نادر يعكس مكانة الكتاب وأهمية موضوعه.

المسائل الأساسية والزيادات

فقد بدأت نواته الأولى على يد الشيخ المرجى الثقفي(ت478هـ) (1) ، الذي جمع مسائله الأساسية، واضعًاً اللبنات الأولى لعمل فِقهي يُعالج أدق قضايا العمران والحقوق المتصلة به ، ثم جاء قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني الكبير، فقام بشرح تلك المسائل وتوسيعها، مضيفًاً إليها عمقًا فقهيًا وتنظيمًا أوضح ، وفي مرحلته الأخيرة، تولّى الإمام حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازه البخاري، المعروف بالصدر الشهيد والملقّب ببرهان الأئمة (ت536هـ) (2)، تهذيب الكتاب وتنقيحه، وتقريب لغته، مع إدخال زيادات وتفصيلات مهمة زادت من دقته وثرائه العلمي، ولا يُعدّ هذا التعاقب العِلمي مجرد تفصيل تاريخي، بل يُمثّل دلالة واضحة على القيمة العلمية والحضارية للكتاب، إذ شاركت في بنائه أجيال من كبار فقهاء الحنفية، أغناه كل منهم بخبرته واجتهاده، ليخرج إلينا مرجعًا فقهيًا مُتكاملًا في فقه البناء والارتفاق وتنظيم العمران في الحضارة الإسلامية (3).

 

 

كتاب الحيطان

 

الجدار يعكس علامة حضارية 

 

من الفقه إلى العمران؛ قراءة في كتاب الحيطان: لا يتعامل كتاب الحيطان مع الجدار بوصفه عنصرًا مِعماريًا صامتًا، بل يُقدّمه علامةً حضارية كاشفة عن وعي الفقه الإسلامي بالمكان وأثره في تنظيم حياة الناس. فالكتاب، المعروف أيضًا بكتاب “أحكام الطرق والسطوح والأبواب ومسيل المياه والحيطان”، أو بوصفه دراسة فقهية لأحكام البناء وحقوق الارتفاق، لا ينظر إلى الحيطان على أنها مجرد حدود تفصل بين الأملاك، بل باعتبارها أدوات دقيقة لضبط العلاقة بين الخاص والعام، وبين حق الفرد ومصلحة الجماعة. ومن خلال هذا المنظور، تتجلّى المدينة الإسلامية ككيانٍ أخلاقي قبل أن تكون تجمُّعًا عمرانيًا، تُبنى تفاصيله على أسس من العدل، وحسن الجوار، واحترام الخصوصية.

حقوق الارتفاع والتفاصيل الصغيرة 

 

 

العمارة الإسلامية
العمارة الإسلامية

 

ويكشف الكتاب، من خلال تناوله لمسائل حقوق الارتفاق، عن فقهٍ عمراني مُتقدم أدرك مُبكرًا أن النزاعات الكبرى غالبًا ما تنشأ من التفاصيل الصغيرة. ويُقصد بحق الارتفاق في الاصطلاح الشرعي: حقٌ مقرر على عقار لمنفعة عقار آخر، كحق الشرب، وحق المرور، وحق المجرى، وحق المسيل، وحق التعلِّي، وهي حقوق تمس صميم العيش المشترك داخل المدينة (4) ، أما لفظ «الحيطان»، فقد ارتبط في اللغة العربية بالجدران والأسوار التي تُحيط بالبساتين لحمايتها، ثم أُطلق مجازًا على البستان نفسه، إذ إن أصل الحائط ما أُحيط به، وجمعه حيطان وحوائط، ومنه سُمّي الجدار حائطًا لأنه يحوط ما بداخله (5).

عبقرية الفقه الإسلامي  

 

الأسواق في القاهرة في عهد المماليك
الأسواق في القاهرة في عهد المماليك

 

يُولي كتاب الحيطان اهتمامًا خاصًا بالمرافق، التي تشمل ما يُنتفع به داخل الدور والمساكن، مثل مواضع الماء والمغتسل والمطبخ والكنيف، إضافة إلى المرافق العامة كالطرقات والمساجد والحدائق(6)، ويشمل أيضًا مرافق المدينة من وسائل النقل، ومصادر الشرب، والإنارة. ومن هنا، لم يكن تنظيم حق المرور وحق الشرب من المياه المشتركة وحقوق المجرى وارتفاع البناء وفتح النوافذ مجرد تنظيرٍ فقهي، بل ضرورة لضمان استقرار المدينة وتوازنها الاجتماعي. ويكشف الكتاب عن عبقرية الفقه الإسلامي في ربط العمران بمنظومة أخلاقية تحمي الحقوق وتمنع الفوضى. ويُعزّز هذا التصوُّر ما نجده في مصادر فقهية أخرى، أبرزها كتاب «الإعلان بأحكام البنيان» لابن الرامي البنّاء الذي عاش بتونس في ق8ه/14م، وقد جمع أحكام البناء ومعاييره بدقة، مُستفيدًا من خبرته العملية في البناء، فمزج بين النظرية والتطبيق، مانحًا الفقه العمراني بُعدًا عمليًا عميقًا (7) .

 

 

الهوامش

 

1 – عبد القادر القُرَشي (775هـ/1373م)، الجواهر المضية في طبقات الحنفية، ج2، ص346.

2 – شمس الدين الذهبي (ت748هـ/1374م)، سير أعلام النبلاء، ج20، ص9.

3 – الصدر الشهيد، كتاب الحيطان دراسة فقهية لأحكام البناء والارتفاق، تحقيق عبد الله نذير، ص7.

4 – ابن منظور، لسان العرب، ج10، ص118؛ أحمد يوسف علي صمادي، حق الارتفاق في الفقه الإسلامي، مؤتة للبحوث، مج17، ع3، 2002م، ص ص113-147.

5 – الصدر الشهيد، كتاب الحيطان دراسة فقهية لأحكام البناء والارتفاق، ص7.

6 – الرازي (ت666ه/1267م)، مختار الصحاح، ج1، ص126.

7 – محمد عبد الستار عثمان، الإعلان بأحكام البنيان ‏لابن الرومي «دراسة أثرية معمارية»، ص6.

 

* أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية المساعد – كلية الآثار – جامعة الفيوم

 

يتبع لاحقا ..

 

 

 

نقلاً عن تراثنا – العدد 98

 

 

غلاف مجلة تراثنا في عددها رقم 98 الصادر بتاريخ يوليو 2026 م - ذو الحجة 1447 هجري

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

 

تواصل مع تراثنا 

 

 

 

اترك تعليقاً