الحلقة الثانية
جهود علماء المغرب في حفظ السنة النبوية

تراثنا – التحرير :
لقد احتاج العلماء في تفسير القرآن الكريم إلى تفهم الحديث النبوي الشريف ، لأن القرآن حجة بالغة ودلالاته دامغة عندما تشتبه الأمور وتتعاظم الآراء والمسائل .
جاء ذلك في مدخل رسالة ” كتيب” كتبها الشيخ المغربي د . أحمد حدادي – يرحمه الله – عام 1983 م بعنوان “جهود المغاربة في خدمة السنة “، مبيناً أهمية الحديث النبوي في توضيح القرآن ،ودورأهل الحديث في تلك الأنحاء من الوطن العربي في حفظ السنة النبوية ، وما جاء من ثناء العلماء عليهم .

وفي الحلقة الثانية ، يتناول د . حدادي فضل أهل الحديث في المشرق على بلاد المغرب والأندلس ، فيقول :
السبق لأهل المشرق

لقد ضرب المشارقة أمثلة رائعة في ميدان تقدير السنة حق قدرها ، وإما المغاربة فإنهم يروون حديث أبي هريرة : يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم ، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة ” ، أن المقصود بذلك المغاربة ، وقال البخاري : سند مالك عن نافع عن ابن عمر أصح الأسانيد ، أو سلسلة الذهب .
وإذا كان الأندلسيون والمغاربة لم يستفيدوامبكراً من علوم العرب وآدابها بعامة وعلوم التفسير والحديث بخاصة، فإن ذلك ناشىء عن بعدهم عن مواطن العرب الأصلية ، بل إن الأندلس قد استفادت قبل المغرب من الفتح الإسلامي ، وصار لها شأن يذكر في مختلف العلوم والفنون ، منذ العهود الأولى لهذا الفتح ، اي منذ أواخر القرن الأول للهجرة .
ورغم ذلك لا بد من ذكر بعض نقط التحول في المجتمع الأندلسي والمغربي ، ومن ذلك نشوء المراكز الثقافية في الأندلس ، مثل قرطبة وأشبيلية وغيرهما ، وما تأسس فيهما من المساجد والمدارس ، التي كان يتدارس فيها القرآن الكريم وسنة رسوله الكريم ، أما في المغرب فإن نشوء المراكز الثقافية فيه مثل فاس وسبتة وأصيلا وطنجة والبصرة ،وتأسيس جامع القرويين وبناؤه سنة 245 هجري ، كان له دور ثقافي وديني كبير ، ثم أن هناك مسألة توطيد مذهب مالك فقهياً وعقدياً ، وقضائه على المذهب الخارجي والاعتزالي والشيعي .
الرحلة لطلب الحديث

وقد كُتب لمذهب مالك هذا الشيوع والانتشار بسبب التزامه باتباع السنة المشرفة ، ونبذ الرأي والتأويل ، وبصدد ذكر نقط التحول لا نغفل أهمية دور الرحلة للعلماء الأوائل ، لأن علم الحديث كان ينال بالسفر والتنقل ، وتحمل وعثاء التحمل ومشقاته .
مدح الترحال للعلم
وقد مدح الشعراء السفر والاقتراب قديماً وحديثاً ، وذلك لاجل التجدد والنشاط وجلب الفوائد الجلي ، فقد قال الشاعر :
علم الحديث فضيلة تحصيلها
بالسعي والتطواف في الأمصار
فإذا اردت حصولها بإجازة
فقط استعضت الصفر بالدينار
وقال أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين بن السراج اللغوي البغدادي
لله در عصابة
يسعون في طلب الفوائد
يُدعون أصحاب الحديث
بهم تجملت المشاهد
طوراً تراهم بالصعيد
وتارة في قعر آمد
يتتبعون من العلوم
بكل أرض كل شارد
فهم النجوم المقتفى
بهم إلى سبل المقاصد
علماء الحديث في الأندلس
وسنعرض لذكر أهم من عُرُف في الأندلس والمغرب من رجال الحديث والقائمين على خدمة السنة ، مع ذكر شيء ما ألفوه أو قاموا به أو اسدوه خدمة لهذا العلم الشريف .

فممن عُرف في الأندلس من العلماء : منذ أواخر القرن الثاني إلى حدود أواخر القرن الرابع وهو عصر الفتح والأدارسة :
زياد بن عبدالرحمن المعروف بشبطون (ت 193) سمع مالكاً ، وهو أول من أدخل إلى الأندلس كتاب الموطأ متفقهاً ،وهو الذي أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي ، ومنهم ابو محمد الغازي القرطبي (ت196 أو 199) ، سمع مالكا أيضاً ـ وابن جريج ، وهو من الأوائل الذين ادخلوا الموطأ ايضاً .
ومنهم محمد بن شراحبيل القاضي ( ت 198) ،وكان يحيى الليثي عظمه ، وكذلك يحيى بن دينار القرطبي ، مات بطليطلة سنة 212 هجري ، وبه انتشر علم مالك وابو القاسم أصبغ القرطبي (ت 273) ،وأصبغ بن يوسف بن اصبغ (ت 300) وأبراهيم بن محمد القزاز القرطبي (ت 274) ومحمد بن سعيد بن المواز القرطبي ،وروى عن هؤلاء كلهم يحيى بن يحيى الليثي ،ومنهم أبو الفضل قاسم ابن أبي قاسم السرقسطي (ت302) وهو الذي سمع ابن الجارود والنسائي ، وقد ابتدأ كتاب الدلائل في شرح ما اغفله ابو عبيد الهروي و ابن قتيبة من غريب الحديث ومات قبل اكماله .
ومنهم سعيد بن عثمان التجيبي (ت305) وكان بصيراً بالعلل الحديثي ، وقاسم بن أصبع القرطبي (ت340) المحدث العمدة ، وقد سمع من عبدالله بن حنبل ،ومنهم وهب بن مسرة التميمي (ت 346) ،وهو الامام المحدث وقاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي (ت 355) ، اللي لا تأخذه في الله لومة لائم ، ومحمد بن المهدي التميمي (ت368) راوي كتاب بان المواز بالاسكندرية ، وعيسى بن يحيى ابن ابي كثير الليثي (ت367) ، العالي الدرجة في الحديث ، وابو جعفر احمد بن عون القرطبي (ت388 ) ،وكان رحلة الوقت ، وقد أخذ من أبي الاعرابي ، ومنهم ابو محمد بن إبراهيم الأصيلي (ت 392) ، صاحب كتاب (الدلائل إلى أمهات المسائل) شرح به الموطأ ، وأبو عبدالله محمد بن إبي زمنين (ت 399) إمام المحدثين ، وهو اللي اختصر المدونة ، وابو المطرف عبدالرحمن بن فطيس ( ت348) ، جهبذ المحدثين ألف كتاب (دلائل السنة في الجرح والتعديل) ،و أبو بكر بن جليل القرطبي ( ت406) ،وابوبكر محمد بن موهب التميمي جد أبي الوليد الباجي (ت406) وقد أخذ عن أبي الحسن القابسي ،وله شرح على رسالة ابن أبي زيد ، ومنهم ابو القاسم المهلب بن أبي صفرة التميمي (ت436) سمع من القابسي ، وله تعليق على البخاري ،وعبدالملك بن مروان البوني القرطبي (ت440) ، ألف مختصراً في تفسير الموطأ .
يتبع لاحقاً
كاتب وكتاب

مقتطفات من رسالة مطبوعة ، بعنوان (جهود المغاربة في خدمة السنة) لكاتبها د. أحمد حدادي – يرحمه الله – (1940-2014) عن نحو 74 سنة ، تقع في عدد 42 ورقة “حجم صغير ” سلسلة شهرية تصدرها جمعية البعث الإسلامي في المغرب ، مطبعة النور (تطوان- المغرب) طبعة عام 1988 ، انتقاء من مكتبة وقف الشيخ عبدالله الخضري – يرحمه الله – مهداة إلى مركز المخطوطات والتراث والوثائق في الكويت .

تواصل مع تراثنا
