دفاعاً عن السنة النبوية (الحلقة 6)
الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام

تراثنا – التحرير :
خلص العلامة الألباني – يرحمه الله – في الحلقة السابقة (الخامسة) إلى انعقاد الاجماع لدى السلف والأئمة الأربعة والعلماء بالعمل بالاحاديث الآحاد في الاعتقادات والاحكام العملية ، وان التفريق بينهما باطل وبدعة لا يعرفها علماء السلف ،وابطلها لأسباب كثيرة ذكرها .

كثير من أخبار الآحاد تفيد العلم واليقين
وفي الحلقة (السادسة) تحت هذا التبويب، يسترسل العلامة الألباني مستكملا بحثه ،المنشور في كتابه “الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام ” قائلاً :

ثم إن ما تقدم من البحث ، وتحقيق القول ببطلان التفريق المذكور ، إنما هو قائم كله على افتراض صحة القول بأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن الراجح ، ولا يفيد اليقين ، والعلم القاطع ، فينبغي أن يعلم أن ذلك ليس مسلماً على إطلاقه ، بل فيه تفصيل مذكور في موضعه ، والذي يهمنا ذكره الآن هو أن خبر الآحاد يفيد العلم واليقين ، في كثير من الأحيان ، من ذلك الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول .
ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مما لم يُنتقد عليهما ، فإنه مقطوع بصحته ، والعلم اليقيني النظري حاصل به ، كما جزم به الإمام ابن الصلاح في كتابه ” علوم الحديث” ، (ص 28 – 29) ونصره الحافظ ابن كثير في ” مختصره” ، ومن قبله شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتبعه العلامة ابن القيم الجوزية ، في ” مختصر الصواعق ” ، (2 / 383) ، ومثل له بعدة أحاديث ، منها حديث عمر : ” إنما الأعمال بالنيات ” ، وحديث : ” إذا جلس بين شعبيها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ” ، وحديث ابن عمر : ” فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفطر في رمضان على الصغير والكبير والذكر والأنثى ” .
وأمثال ذلك ، قال ابن القيم (2 / 37) : قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فهذا العلم يفيد اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، من الأولين والآخرين ، أما السلف ، فلم يكن بينهم في ذلك نزاع ، وأما الخلف ، فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة ، والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية ، مثل السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية ، والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ ابي إسحاق من الشافعية ، وابن خويز منداد وغيره من المالكية ،ومثل القاضي أبي يعلى وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية ، ومثل أبي إسحاق السفرائيني وابن فورك وأبي إسحاق النظام من المتكلمين ، وذكره ابن الصلاح وصححه واختاره ، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ، ليتقوى بهم ، وإنما قاله بموجب الحجة الصحيحة ،وظن من اعترض عليه من المشايخ الذين لهم علم ودين ، وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة :أن هذا الذي قاله أبو عمرو بن الصلاح أنفرد به عن الجمهور ، وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب ، وإن ارتفعوا درجة ، صعدوا إلى السيف الآمدي ، وإلى ابن الخطيب ، فإن علا سندهم ، صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني .
عصمة الأمة بالإجماع

(قال) : وجميع أهل الحديث على ما ذكره الشيخ أبو عمرو ، والحجة على قول الجمهور ، : أن تلقي الأمة للخبر تصديقاً أو عملاً ، إجماع منهم ، والأمة لا تجتمع على ضلالة ، كمال لو اجتمعت على موجب عموم ، أو مطلق ، أو اسم حقيقة ، أو على موجب قياس ، فإنها لا تجتمع على خطأ ، وإن كان الوحد منهم لو جره النظر إليه لم يؤمن عليه الخطأ ، فإن العصمة تثبت بالنسبة الإجماعية ، كما أن خبر التواتر يجوز الخطأ والكذب على واحد من المخبرين بمفرده ، ولا يجوز على المجموع ، والأمة معصومة من الخطأ في رواياتها ورأيها ، (قال) : والآحاد في هذا الباب قد تكون ظنوناً بشروطها ، فإذا قويت صارت علوماً ،وإذا ضعفت صارت أوهاماً وخيالات فاسدة .
(قال) : واعلم أن جمهور أحاديث البخاري ومسلم من هذا الباب ، كما ذكره الشيخ أبو عمرو ، ومن قبله من العلماء كالحافظ أبي طاهر السلفي وغيره ، فإن ما تلقاه أهل الحديث علماؤه بالقبول والتصديق فهو محصّل للعلم ، مفيد لليقين ، ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين ، فإن الاعتبار في الإجماع على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم ، كما لم يعتبر في الإجماع على الاحكام الشرعية إلا العلماء بها ، دون المتكلمين والنحاة والأطباء ، وكذلك لا يعتبر في الاجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله ، وهم علماء أهل الحديث ، العالمون بأحوال نبيهم عليه الصلاة والسلام ، الضابطون لأقواله وأفعاله، المعتنون بها أشد من عناية المقلدين بأقوال متبوعيهم ، فكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص ، فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلوماً لغيرهم ، فضلاً أن يتواتر عندهم ، فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام ، وضبطهم لأقواله وأحواله يعلمون من ذلك علماً لا يشكون فيه مما لا شعو لغيرهم به البتة ..(ص35 – 40) .
يتبع لاحقاً ..
كاتب وكتاب
مقتبس من كتاب (الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام) رسالة للعلامة محدث الشام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – يرحمه الله – تقع في 68 صفحة (الحجم الصغير)، انتقاء من مكتبة الشيخ عبدالرحمن عبدالصمد الأهلية -يرحمه الله ، مقتنيات مكتبة مركز المخطوطات والتراث والوثائق (الكويت) .

تواصل مع تراثنا

