الحلقة الأولى
رمضان في ذاكرة مكة المكرمة !

تراثنا – كتب عرفه عبده علي * :
عن أم المؤمنين السيدة عائشة ” لم يطمئن قلبي ببلد قط ما اطمأن بمكة ولم أر القمر بمكان أحسن منه بمكة ” .. مكة المكرمة التي ملكت القلوب وأشعلت الأشواق وفي ذاكرتها تحفل مدونات المؤرخين والرحالة بوصف الإحتفال بليلة الرؤية وطقوس شهر رمضان بتقاليده المتوارثة .

وكأنه يجدد العهد بأم القري منذ تنزلت الآيات على قلب نبينا محمد صلي الله عليه وسلم في غار حراء , وربمــا إستطاعت المعطيات والضغوط المعاصرة أن تغير من المظاهر الإحتفالية بليلة الرؤية التي جسدت وجدان الشعوب الإسلامية وفرحة قلوب تنتقل من نور الي نور ..
إبن جبير يصف ليالي رمضان بالحرم

من العوامل التى أثرت الحياة فى مكة المكرمة وضاعفت من بريقها وخصوصيتها طوال شهر رمضان : كثرة الزائرين لها فى هذا الشهر المبارك لأداء العمرة , ومما لاشك أن مشاهدات بعض الرحالة المسلمين لليالى رمضان وطقوس إستقباله ، كانت تتكرر بشكل أو بآخر فى معظم مدن العالم الاسلامى ، مع وضعنا فى الاعتبار مكانة مكة المكرمة مهبط الوحي وقبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم .
بعد أن قدم وصفا طبوغرافية جامعاً لمكة المكرمة أشار ” إبن جبير” الذى رحل إليها عام 579هـ إلى ” ضرب الدبادب” عقب ثبوت رؤية الهلال , وحدثنا عن صلاة التراويح بين أتباع المذاهب فكتب ” ووقع الاحتفال فى المسجد الحرام لهذا الشهر المبارك وحق ذلك من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعيل وغير ذلك من الآلات حتى تلألأ الحرم نوراً وسطع ضياء وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقاً .
أئمة المذاهب والمسجد الحرام
فالشافعية فوق كل فرقة منها قد نصبت إماماً لها فى ناحية من نواحى المسجد ، والحنبلية كذلك ، والحنفية كذلك ، والزيدية ، وأما المالكية فاجتمعت على ثلاثة قراء يتناوبون القراءة ، وهو فى هذا العام أحفل جمعاً واكثر شمعاً لأن قوماً من التجار المالكيين تنافسوا فى ذلك فجلبوا لإمام الكعبة شمعاً كثيراً من أكبره شمعتان نصبتا أمام المحراب فيهما قنطار ، وقد حفت بهما شمع دونهما صغار وكبار فجاءت جهة المالكية تروق حسنا ً ..

ولا يبقى فى المسجد زاوية ولا ناحية إلا فيها قارىء يصلى بجماعة خلفه فيرتج المسجد لأصوات القراء من كل ناحية فتعاين الأبصار وتشاهد الأسماع من ذلك مرأى ومستمعاً تنخلع له النفوس خشية ورقة ” .. كما اعتاد المكيون تقديم أبنائهم الصغار لإمامة المصلين في صلاة التراويح وكذلك في ختم القرآن بحضور القاضي ونخبة العلماء وعقب الانتهاء: تقدم التهاني الي والد الصغير الذي يدعوهم الي داره فيقدم لهم صحاف ملأي بأطايب الطعام والحلوي .
المجاورون وصلاة التراويح بالحرم
وأشار رحالتنا إلى إجتهاد المجاورين بالحرم الشريف فى هذا الشهر المبارك، فى قيامه وصلاة تراويحه ، وذكر أن كل وتر من الليالى العشر الأواخر من رمضان كان يختم فيها القرآن الكريم فى الحرم المكى .
ابن بطوطة يصف الاستعدادات

وذكر أعظم رحالة الاسلام « إبن بطوطة ” أنه عقب ثبوت رؤية هلال رمضان : ” تضرب الطبول عند أمير مكة ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام” وأشار الى تجديد فرش المسجد والاكثار من المشاعل والقناديل المهداة بهذه المناسبة حتى يسطع الحرم نوراً وبهجة وإشراقاً، ويتفرق الأئمة على المذاهب الأربعة فى أنحاء الحرم ” فيرتج المسجد لأصوات القراء ” ، ” وبعض الناس يقتصر على الطواف والصلاة منفرداً فى الحجر ..
وأضاف إبن بطوطة : “والشافعية أكثر الأئمة اجتهاداً وعاداتهم أنهم إذا أكملوا التراويح المعتادة وهى عشرون ركعة يطوف إمامهم وجماعته ، وإذا كان وقت السحور يتولى المؤذن الزمزمى التسحير فى الصومعة التى بالركن الشرقى من الحرم ، فيقوم داعياً ومذكراً ومحرضا على السحور ، والمؤذنون فى سائر الصوامع ، فإذا تكلم أحد منهم أجابه صاحبه وقد نصبت فى أعلى كل صومعة خشبة على رأسها عود معترض قد علق فيه قنديلان من الزجاج كبيران يوقدان فإذا قرب الفجر ، حط القنديلان وابتدأ المؤذنون بالأذان ، وأجاب بعضهم بعضا .. وأضاف : ” ولديار مكة (شرفها الله) سطوح ، فمن بُعدت داره بحيث لا يسمع الأذان يبصر القنديلين المذكورين فيتسحر ، حتى إذا لم يبصرهما أقلع عن الأكل .
وفى كل ليلة وتر من ليالى العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن، ويحضر الختم القاضى والفقهاء الكبراء .
يتبع لاحقاً ..
*مؤرخ وكاتب مصري
نقلاً عن تراثنا – العدد 97

تواصل مع تراثنا

