العبد بين الخوف والرجاء

تراثنا – د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :
الدنيا دار بلاء .. هكذا حالها ، كلها بلاء واختبار ، وفتن ومرض وسقم وحزن ، والموت أخيراً خاتمتها ، خاتمة المآسي .

الإنسان في انتقاله إلى داره الآخرة ، مستريح ، أو مُستراح منه ، هكذا ورد في الحديث الصحيح ، فقد حدّث الصحابي الجليل قتادة بن ريمي الانصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مُرَ عليه بجنازة ، فقال : ” المستريح والمُستراح منه ” ، قالوا : يا رسول الله ، ما المستريح والمُستراح منه ؟ قال : العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله عز وجل ، والفاجر يستريح منه العباد والبلاد ، والشجر والدواب ” . رواه البخاري
بين الرجاء والخوف
واليوم ، لايشترط حتى يكون العبد مرضياً عنه ، أن يكثر المتدافعون على جنازته ، هذه كانت في الماضي ، في القرون التي سلفت ، فقد كانوا يقولون :” بيننا وبينهم المقابر” ، ولكن كذلك لا يستيطع أحد أن يجزم مع ما يراه من أعمال العبد السيئة أنه من غير المرضي عنهم من الله .
ففي تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة ، وتدبير لطيف ، لانه لو علم وكان ناجياً ، اعجب وكسل ، وإن كان هالكاً ازداد عتواً ، فحُجب عن ذلك ، ليكون بين الخوف والرجاء (يرجون رحمته ويخافون عذابه) .
الاعمال بالخواتيم ، لا شك أن الذي يعمل لما بعد الموت ، غير ذلك غير الآبه ، الذي يسير على أساس أن الدنيا هي كل شيء ، فلا حياة بعد ذلك ، ولا برزخ ، ولا قيامة ، ولا سؤال ، فأمن غالبية البشر .. إلا من رحم .
حق لا مفر منه

بمكر الله قد ضرب اطنابه عند الكثيرين منهم ، ولا اعتقد أن عاقلاً يرى مواكب الأموات تسير أمامه ، ولا يتغير شيء في داخله ، فالموت حق لا مفر منه ، ولا فكاك .
أليس من الواجب علينا معشر البشر ، قليلي البضاعة والزاد ، المحتاجين على الدوام إلى الصحة والعافية والمسرات والآمال اللجوء إلى الله ؟ وإذا لم يلجأ الناس إليه ، فلمن يلجأون إذا احتاجوا ؟ أليس إلى الله ؟
فيقول أحدهم : يا رب أعني على مرضي ، اللهم اشفني ، اللهم نجني ، واللهم خلصني مما أنا فيه من كربة وسقم وبلاء وغيرها من الكلمات التي لا تصدر إلا عن ضعيف ، أليس هذا الضعيف إذا دعى إلى اجتماع أو حفلة أو إي ضيافة ، لبس أحسن اللباس ، وتجّمل بأحسنه ، وتعطر بأغلى العطورات ؟
أليس الله بأحق أن نتجّمل له بالصالحات من الأعمال والأقوال ؟ أوليس الأولى أن ننقذ أنفسنا كما ينقذ الغريق وصاحب الحريق نفسه من كل تلك المهالك ؟
لا إله إلا الله ، إن للموت سكرات ، وهي الحالة التي تعرض بين المرء وعقله ، ولن ينجو أحد منها ، فلو نجا عبد لنجا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عندما كان يقول في مرض موته : “لا إله إلا الله.. للموت سكرات ” حتى قُبض ومالت يده .
ولا تقولوا لأهل الموتي إلا المأثور من القول : ” إن لله ما أخذ ، ولله ما اعطى ، وكل شيء عنده إلى أجل مسمى ، فلتصبر ولتحتسب “.
والله المستعان ..
*رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا
